يقول تعالى «ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون».

تصور الآية الكريمة بذرة الإيمان الطيبة في القلب الطيب، حينما تنبت النبتة الصغيرة التي تُروى بماء العمل الصالح، حتى تنمو وتنمو وتشتد شيئاً فشيئاً وتنبثق الفروع فرعاً بعد فرع، وتورق الأفرع شيئاً فشيئاً، حتى تصبح ذات ظل ظليل، ثم تثمر ثماراً يانعة، يطعمها الطير والحيوان والإنسان، وعندها تكتمل شجرة الإيمان امتداداً في السماء، ورسوخاً في الأرض.. تماماً كما ذكر الحديث الصحيح «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»!

فأعلى الشعب هي نفسها «كلمة التوحيد» وهي الصبغة التي تنطبع على شجرة الإيمان كلها من أولها وهي بذرة في التربة الصالحة، إلا أن تكون قمة في السماء، تعلي أمر ربها وهديه بحيث يراها العالمون، وأدنى الشعب أي أقربها وأهونها عند التنفيذ، هي إماطة الأذى عن الطريق لئلا يؤذي أحد المسلمين بقاؤه في الأبدان أو الملابس أو الأعين، فرفع الأذى عن طريق المسلمين هو برها على وجود الإيمان!

غير أن الحديث ذكر شيئاً يثير العجب وهو إفراده ذكر الحياء دون سائر الشعب، علماً بأن الحياء خليقة فطرية قبل كل شيء، تتبدى بأفصح بيان عند من لم تفسد فطرته، فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول فيه الواصف الأمين: «كان أشد حياءً من العذراء في خدرها» وكان إذا غضب عُرف الغضب في وجهه، وكان لا يجهر بالسوء أبداً، حتى لو أسيء إليه، أو دعى إلى ذكر شيء لا يعتاد التصريح به، فقد جاءته يوماً امرأة تسأله عن كيفية التطهر من الحيض، فقال: خذي قطنة ممسكة فتتبعي بها أثر الدم، فقالت: كيف.. فقال.. تتبعي أثر الدم.. فقالت: كيف؟ فقال سبحان الله، تتبعي أثر دم.. فجذبتها السيدة عائشة، لتعلمها ما أجهدت فيه النبي صلى الله عليه وسلم!

ولما كان يصل إلى علمه شيء عن أصحابه يكرهه، كان يقول ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا؟ أو حينما جيء إليه برجل قيل إنه سرق، قال: هلا قلت إنه أخذ؟ ولا يحب أن يخرج الكلمة الجارحة من فمه. ويقول: «إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء» ويقول لرجل وجده يحدث أخاه في شأن الحياء، فقال: «دعه فإن الحياء من الإيمان»!

وقد شبه العلماء الحياء لإيمان المرء، باللحاء الأخضر المحتوي على العصارة الرطبة الساترة لخشب الشجرة الذي إذا ذهب ساتره جفّ هو الآخر وعقم وأصبح من غذاء النار، فكذلك الحياء هو الذي يرطب سلوك الإنسان ويبرهن على وجود الخير فيه، فإن انعدام الحياء، وبروز الجفاء والغلظة والشدة، يكشف عن كيان وقح متبجح لا يرجو لله وقاراً، ولا يحفظ للإنسان كرامة، ولا يحمل للإسلام روحاً وقورة، وإنما يستتر بعباءة الشيطان الداعي إلى بذر العداء والبغضاء بين صفوف أهل الإيمان.

علي عيد