القادر المقتدر اسمان من أسمائه الحسنى، متساويان في المعنى يؤكد كل منهما جلاله وجماله في نفوس المؤمنين الأخيار.
فإذا خطر أحدهما على القلب وجرى على اللسان، تبعه الآخر بالضرورة لشعور الذاكر بأن قدرته جل وعلا لا تقف عند حد لذا يجد نفسه ناطقاً بهما معاً بالقلب واللسان في غير مهلة ولا انتظار.
وذلك لأنه قد يقع في الأوهام أن البعض مثلاً قادر بسلطانه على تنفيذ مراده وتحقيق مطالبه قدرة تفوق قدرة غيره، فيتحاشى المتوهم غضبه ويبتغي رضاه ولو على حساب دينه ومبادئه، فيلاحقه الاسم الثاني فيبدد هذا الوهم ويطرده من ساحة قلبه وواحة ضميره ويوجهه بسلطانه إلى من له القدرة التامة المنزه عن العجز والعبث والأغراض كلها، فلا يسعه إلا أن يتخلص فوراً من خوف العباد وتملقهم إلى الخوف من الله وحده والتفاني في ابتغاء مرضاته لأنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة لا قدرة لمخلوق مع قدرته، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
المقتدر أبلغ من القادر. إذ هو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا يقولن قائل: هذا الاسم أبلغ من غيره إلا على سبيل التجوز والتسامح. «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض».
ومن هذا تتجلى طلاوة القرآن وحلاوته فيتذوقها من اتخذه أنيسه وجعل تلاوته عبادته في حله وترحاله واتخذ تدبره ديدنه في ليله ونهاره.
قال تعالى: «أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون».
فإننا نجد أنفسنا أمام القدرة العلية مثقال ذرة في قضاء واسع لا يتناهى، فنقول بلسان حالك ومقالك على الفور: من أنا في ملك الله الواسع الفسيح؟
وأين قدرتي؟ بل اين قدرة الخلق جميعاً من قدرة الخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه؟
والملك يطلق على ما لاح وظهر والملكوت يطلق على ما غاب واستتر ويطلق كل منهما على الآخر عند إرادة الإجمال.
وقدرة الله عز وجل صفة كمالية منزهة عن ضدها من جميع الوجوه.
لهذا سمى الله نفسه: القادر المقتدر. أي الذي أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً وأحسن كل شيء خلقاً وإبداعاً وأحكم كل شيء تدبيراً وتصريفاً وأقام كل ما خلق وبراً وذراً على العدل المطلق والقسطاس المستقيم فبالعدل قامت السماوات والأرض فلا عوج ولا انحراف ولا تناقض ولا اختلاف.
فهذا الاسم يوحي بسرعة الزوال وانتهاء الآجال وانقطاع الآمال بين عشية أو ضحاها، وقيام الساعة في أقرب من لمح البصر، فكان وضعه في هذه الآية أعمق في الدلالة من وضع الاسم الأول، وأوقع في النفس التي لا ترعوى عن التكالب على طلب الدنيا بمختلف الطرق وشتى الحيل وتنسى أن وراءها يوماً ثقيلاً لا ينفع فيه مال ولا بنون.
فهذا الاسم يشعر بالقوة والمنعة، والغلبة والعزة وعظمة السلطان، فانظر إلى المتقين يوم القيامة وهم عنده في ساحة قدسه ينعمون بالنظر إليه من غير كيف ولا مثل ويشهدون من مظاهر العظمة والجلال ما شاء الله أن يشهدوه فهو المليك المقتدر فلا مليك سواه ولا مقتدر إلا هو.
فعلى المؤمن إذا أكثر من ذكر هذين الاسمين المقدسين، علت همته وقوي عزمه على الطاعة وترك المعاصي والصبر على المكاره ومواجهة الشدائد بصدر رحب وقلب مطمئن وغمره شعور صادق بأن الله معه ولن يسلمه لعدو ينال منه واشتاقت نفسه إلى أن يكون مع المتقين في ظله يوم لا ظل إلا ظله وهو مقعد الصدق الذي وعد به في قوله: (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
رجاء علي