عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيّمه، واللين أخوه، والرفق والده، والصبر أمير جنوده» صدق رسول الله، رواه مسلم في صحيحه.

هذا الهدي النبوي الشريف يبين فضل العلم والحلم والعقل والعمل واللين والرفق والصبر، فالعلم قال الله تعالى «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»، «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، وصفة الحلم يجب أن تكون متأصلة في المسلم، قال النبي لرجل: فيك صفتان يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة، أما العقل فهو الذي خلقه الله وأقسم له وقال وعزتي وجلالي ما خلقت شيئاً أفضل منك يا عقل وهو مناط التكليف.

والرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه، يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا، أما الصبر فهو الأمير فالعلم خليل المؤمن صاحبه والحلم الوزير والعقل الدليل والعمل القيمة التي تجعله عزيزاً بنفسه وماله وأهله وله العزة ولرسوله وللمؤمنين، واللين أخوه والرفق والده والصبر هو الأمير لجنوده، ولذلك قال الله «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب». قال الله تعالى «أين الراضون بقضائي؟ أين الصابرون على بلائي، فيخرجون من كل فج عميق فيناديهم مالك الملك والملكوت».

اليوم أستحي أن أنصب لكم ميزاناً أو أن أنشر لكم ديواناً خذوهم يا ملائكتي إلى جنتي.

أيها الإخوة المؤمنون: هذا الحديث النبوي الشريف مبني على التشبيه المفروق وهو ما أتي فيه بمشبه ومشبه آخر به وقد سمي مفروقاً لأنه فرق بين المشبهات والمشبه بها، وهذا النوع كثيراً ما يلجأ إليه الشعراء لأنه أسهل تأليفاً وأقرب تناولاً كما انه من جهة أخرى يتسم بالوضوح والبعد عن التكلف والتعقيد.

وفي هذا الهدي النبوي الشريف سبعة تشبيهات بليغة جاءت بطريقة التشبيه المفروق وجاءت في وحدة متكاملة ليعرفها المخاطب مفصلة بكل دقائقها، حيث شبه العلم بالخليل والحلم بالوزير والعقل بالدليل والعمل بالقيم الذي يقوم على شؤون الشخص واللين بالأخ والرفق بالوالد والصبر بأمير الجنود.

والرسول أراد من هذه الأمور المعنوية ما تؤديه من وظائف نفسية يمكن أن تتكرر مزاياها في حياة الإنسان، فشخصها تشخيصاً يعطيها الحياة والحس والإرادة، فأصبحت تدرك بالحس المشاهد المحدد العمل والتأثير النفسي المرجو، فجاءت جميع هذه التشبيهات متلاحقة بطريقة التشبيه المفروق، وقد ذكرت دون الأداة زيادة في التوكيد وحملاً على تصور اتحاد الطرفين في كل منها أو الوجه في الربط بين هذه المعاني والكيفيات النفسية وبين ما شبهت به فنكتفي فيه بتوجيه الشريف الرضي الذي يقول:

فالمراد بقوله العلم خليل المؤمن، أي يأنس به من الوحشة ويسكن إليه في الوحدة كما يأنس الخليل بخليله ويسكن الحميم إلى حميمه والحلم وزيره أي أنه يقوى به على الأمور والعقل دليله أي أنه بالعقل يهتدي في ظلم المشكلات وينجو من مضايق الغمرات فهو كالدليل الذين يرشد في وقت الضلال وقوله العمل قيمه أي أن العمل يثقف ميله ويقوم الزلل ويسد الخلل فهو كالقيم الذي يأتي لمصالح ما يقوم عليه أو مرشداً لما يوكل إليه وهكذا.

والحديث من أوله إلى آخره مملوء بالبلاغة، ففي كل عبارة من بدايته إلى نهايته تشبيه والملاحظ أن التشبيهات السبعة أعطت العبارات فصاحة وبلاغة، لأنها صدرت من أصدق فم عرفته البشرية من فم الرسول الخاتم محمد اللهم صل عليه في الأولين وصل عليه في الآخرين وصل عليه إلى يوم الدين واجعلنا من أهل شفاعته إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

د. عثمان الغزالي