تعيش بورصة دبي للذهب والسلع مشهداً يختلف جذرياً عن المشهد السوداوي الجاثم على أغلب بورصات السلع في العالم، وهو ما يجعلها استثناء على قاعدة الركود التي تخيم على نظيراتها، ففيما ترفل بورصة دبي للذهب والسلع بعناصر مشهد أبرز عناوينه «الازدهار والانتعاش والنمو» انزلقت أغلب بورصات السلع في العالم في دوامة الركود والتراجع.
ويعقد إيريك هاشم الرئيس التنفيذي للبورصة في حديثه الخاص ل«البيان الاقتصادي» مقارنة بين هذين المشهدين المتضادين بقوله: «إذا ما نظرنا إلى أداء البورصات الأخرى، يمكن الاستنتاج بسهولة بأننا أحرزنا نمواً يفوق الآخرين، وحققنا أداء طيباً خلال العام الماضي.وسجلنا تداولاً تزايدت أحجامه على نحو منتظم، ويحدونا الأمل في الحفاظ على هذا الأداء القوي خلال العام الجاري، وجاء كل ذلك في الوقت الذي عانت فيه أغلب بورصات السلع في العالم من الركود والتراجع».:أصول مختلفة:ويدلل إيريك هاشم على صحة مقولته في ثنايا حديثه عن تأثير الأزمة المالية العالمية على بورصة دبي للذهب والسلع بقوله: يجري التداول في بورصة دبي للذهب والسلع على مشتقات السلع والعملات، وهي تعد فئات أصول مختلفة تماماً عن تلك التي تأثرت بشدة من جراء الأزمة المالية العالمية.وظلت أحجام التداول بالبورصة تتمتع بالقوة والتماسك خلال النصف الثاني من عام 2009، بمتوسط حجم تداول يومي بلغ 7 آلاف عقد خلال الربع الأخير من العام المنصرم، وقد ارتفع حجم التداول في البورصة متجاوزا حاجر الأربعة ملايين عقد في مطلع شهر ديسمبر الماضي، وبقيمة تداول بلغت 177 مليار دولار، وذلك منذ تأسيسها في عام 2005.
ويذكر في هذا المجال أن حجم التداول لعام 2010 ـ بناء على بيانات البورصة المعلنة ـ قد ارتفع متجاوزاً حاجز المليون عقد في 13 يوليو 2010، لتكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها بورصة دبي للذهب والسلع هذا الحجم القياسي في هذا الوقت المبكّر من العام، مقارنة مع السنوات السابقة منذ تأسيسها وحتى الآن.
وسجلت العقود المتداولة منذ بداية العام وحتى 13 يوليو 2010 ما مجموعه 485 .006 .1 عقداً، بقيمة إجمالية بلغت 58 مليار دولار أميركي وزيادة نسبتها 48% منذ بداية العام وحتى تاريخه، مقارنة مع 716 .678 عقداً تمّ تداولها خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وجاء هذا الارتفاع في حجم التداول في عام 2010 نتيجة للنمو الكبير الذي شهدته قطاعات المعادن الثمينة والعملات والطاقة.
فرص متنوعة
وبمعزل عن لغة الأرقام التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن البورصة لم تواجه نفس تفاصيل السيناريو الجاثم على أغلب بورصات السلع في العالم، فإن السؤال المطروح هو الكيفية التي بها استطاعت بورصة دبي للذهب والسلع أن تنفرد بوضعية مختلفة ومتميزة عن بقية بورصات السلع في العالم.
ويجيب إيريك هاشم على هذا السؤال قائلاً: توفر بورصة دبي للذهب والسلع للمشاركين في السوق طيفاً متنوعاً من الفرص تغطي نطاقاً متسعاً من السلع والعملات، وقد بذلت البورصة خلال العام الجاري جهوداً ضخمة لتعزيز السيولة عبر شرائح السوق المختلفة، بما في ذلك المعادن النفيسة والعملات والطاقة، وترتكز استراتيجية البورصة للنمو المستقبلي على فهم احتياجات وطلبات المشاركين في السوق.
ويستدرك في حديثه بقوله: لقد تغيرت الساحة الاستثمارية في المنطقة بشكل ملحوظ منذ استهلال البورصة عملها في عام 2005، حيث صار المستثمرون الإقليميون يتطلعون في الوقت الحالي إلى منتجات تعينهم على تنويع محافظهم الاستثمارية.
وتعظيم البدائل المتاحة للأسواق التقليدية كتلك الخاصة بالعقارات والأسهم، وفي هذا المجال، تقدم بورصة دبي للذهب فرصاً بديلة للمتاجرة في السلع والعملات، فضلاً عن أنها تتيح منصة وغرفة مقاصة تعينان على التحوط ضد المخاطر ضمن بيئة آمنة ومنظمة.
زيادة الوعي
ويمد إيريك هاشم ببصره بعيداً إلى ما سوف يحمله الأفق قائلاً: نحن نتوقع أن تؤدي زيادة الفهم والوعي بأساليب المتاجرة في السلع والعملات والفوائد المتحققة إلى تعاظم الاهتمام بالعقود المتداولة، وبالتالي، تسجيل أحجام تداول كبيرة، حيث أضحت مباشرة الأعمال وتنفيذ الصفقات في البورصة وغرفة المقاصة الخاصة بها تشغل أهمية متزايدة في ظل تراجع الوضع الاقتصادي عالمياً.
بالنظر إلى الفوائد المتحققة في مجال إدارة المخاطر الوثيقة الصلة بكل من الطرف المقابل والتشغيل، وبالنظر كذلك إلى قيامنا بتوفير بيئة تداول تتميز بجودة التنظيم، وبالتالي، فمن المتوقع أن تواصل البورصة الاضطلاع بمثل هذه الأدوار المهمة خلال العام المقبل وما بعده.
ولا يحبذ إيريك هاشم تحديد المكانة التي صارت بورصة دبي للذهب والسلع تشغلها مقارنة ببورصات السلع الأخرى، ويكتفي في هذا المجال بالقول: تعتبر بورصة دبي للذهب والسلع السوق الأكبر حجماً والأكثر تنوعاً في مجال تجارة المشتقات على صعيد المنطقة.
كما أنها تعد البورصة الأولى من نوعها التي توفر خدمات المقاصة والتسوية محليا، الأمر الذي من شأنه أن يكفل بقاء أموال المشاركين بالسوق في المنطقة، بالنظر إلى الفوائد العائدة عليهم من جراء العمل ضمن أنظمة ضرائبية وبنية تنظيمية محليتين.
ويتابع حديثه بقوله: لقد شهدت أحجام التداول ومحفظة المنتجات بالبورصة نمواً ضخماً، وذلك منذ إطلاقها في عام 2005، وتميزت ردود أفعال مجتمع التداول حيالها بالإيجابية، حيث صار ينظر إلى بورصة دبي للذهب والسلع في الوقت الراهن على أنها البورصة المفضلة في المنطقة للتحوط ضد المخاطر.
ورغم أننا لم ندرج في البورصة نفس المنتجات المتداولة في البورصات الأخرى، إلا أننا ننظر إلى المنافسة على أنها أمر ضروري يكفل لنا توفير المنتجات الصحيحة بالسعر الصائب لعملائنا وأعضائنا.
ويخلص إيريك هاشم في معرض تناوله لهذه النقطة إلى القول: ليس بوسعنا التعليق على المرتبة التي تشغلها البورصة مقارنة ببورصات السلع الأخرى، باعتبار أن هذا الأمر يتوقف على عدة عوامل، من بينها، الأسس التي يتم بموجبها قياس هذه المكانة وماهية البورصات الأخرى محل التقييم، ولا يتوافر لدينا في الوقت الحالي نفاذ لهذه المعلومات.
مكانة البورصة
ورغم عدم تحبيذ إيريك هاشم تحديد المكانة التي صارت تشغلها في الوقت الراهن، إلا أنه يقر بأن البورصة قد أثرت بعمق على أسواق منطقة الشرق الأوسط عموماً والخليج على نحو خاص، ويتطرق إلى هذه النقطة بقوله، مع إطلاقها في عام 2005، جلبت بورصة دبي للذهب والسلع إلى المنطقة تجارة المشتقات.
وحققت في هذا المجال الريادة على صعيد منطقة الخليج بإدراجها عقود الروبية الهندية وعقود خام غرب تكساس الوسيط، وفي الوقت الراهن، يخدم عقد الذهب الآجل الذي يعادل في قيمته وزن كيلوجرام من الذهب كمقياس مرجعي لأسعار الذهب في المنطقة.
وهكذا، ساعدت بورصة دبي للذهب والسلع المشاركين في السوق بمنطقة الخليج من خلال تقديمها فرصا بديلة متنوعة ومتعددة للمتاجرة والتداول، وإتاحتها آلية مناسبة لاستكشاف أسعار السلع والخدمات، وتعود حوالي 80% من أحجام التداول بالبورصة إلى مستثمرين يتمركزون في منطقة الشرق الأوسط، فيما تعود النسبة المتبقية البالغة 20% إلى أعضاء البورصة المتمركزين في أوروبا والولايات المتحدة وشرق آسيا.
ويشارك في عمليات التداول نطاق متسع من اللاعبين في الأسواق، بين فيهم الصناديق والمؤسسات التجارية والمستثمرون من القطاع الخاص. علاوة على ما سبق، تتمتع البورصة بمزايا تكسبها وضعاً تنافسياً متفرداً مقارنة بالبورصات الأخرى التي يجري فيها تداول مثل هذه العقود، فهي البورصة الوحيدة في المنطقة التي يجري فيها تداول مثل هذه المنتجات.
وقال: ان هذا الوضع من شأنه أن يكسب البورصة طابعاً متميزاً ومتفرداً، ويتطرق إيريك هاشم في حديثه إلى هذا الجانب بقوله: نحن نتيح لمستثمرينا وعملائنا إمكانية المتاجرة على هذه المنتجات في المنطقة.
حيث يكون في مقدورهم المتاجرة في بيئة تداول منظمة على نحو مألوف ومعتاد بالنسبة لهم، إذ إنهم يباشرون عمليات في سياق بيئة التداول التنظيمية لدولة الإمارات، وليس دولة أخرى كاليابان والولايات المتحدة، ومن ثم، فهم على علم ودراية كاملين بهذه البيئة، ونحن بدورنا نقدم لهم الفرصة بأن يعملوا ضمن بيئة تنظيمية، هم على دراية بها بالفعل، وإذا كان الأمر، فلماذا يذهبون إلى الأسواق الأخرى؟
ويجيب على هذا التساؤل بقوله: نحن نعرض منتجات في البورصة تعبر عن اقتصاديات الشرق الأوسط، ففي مطلع بداية عمل البورصة، أدرجنا عقود الذهب الآجلة، وفي هذا المجال تعتبر دبي مركزا لتجارة الذهب، كما قمنا في العام التالي على انطلاق البورصة بإدراج عقود النفط الآجلة، ويعتبر النفط قوة محركة لاقتصاديات المنطقة.
وتحوي حقيبة بورصة دبي للذهب الكثير من الخطط فيما يتعلق بإدراج منتجات جديدة، بيد أن إيريك هاشم رفض إماطة اللثام عن هذه الخطط مكتفياً بالقول: تتواصل بورصة دبي للذهب بشكل منتظم مع أعضائها وعملائها والمشاركين المحتملين بالسوق، بما يضمن تعزيز فهمها ودرايتها باحتياجاتهم وطلباتهم.
وقد جرى إدراج كافة المنتجات المتداول بالبورصة بناء على آراء ووجهات نظر أعضائها، ونحن لدينا قاعدة قوية من المنتجات التي نخطط لإطلاقها، ورغم اتباع البورصة سياسة عدم الكشف عن تفاصيل استراتيجية عملها والمنتجات التي تخطط لإطلاقها، إلا أننا نحرص على تزويد السوق بمعلومات كاملة عن أي مبادرات تتعلق بإدراج منتجات جديدة.
أداء أفضل لعقود الصلب
وصف إيريك هاشم أداء عقود الصلب الآجلة بأنه «ناجح»، بيد أنه لفت إلى تأثر أحجام التداول بالركود الذي يخيم على صناعة الصلب في العالم. وقال إن البورصة تعمل مع مجتمع الصلب من أجل التوصل إلى طرق من شأنها أن تسهم في تسريع نمو أحجام تداول عقود الصلب الآجلة وتحقيق مستويات تداول أفضل، مشيراً إلى أن البورصة تعمل مع الصناعة من أجل التوصل إلى طرق تسهم في تحقيق مثل هذا الهدف.
وتعكس تحركات أسعار عقد الصلب الآجل في بورصة دبي للذهب والسلع تحركات الأسعار في الأسواق الإقليمية كأبوظبي ومسقط والكويت وإيران، وتتيح العلاقات الارتباطية بين أسواق الصلب في دبي ومثيلتها في الأسواق الإقليمية مجالاً للتحوط ضد المخاطر والذي يعمل بشكل كفؤ عندما يكون هناك تطابق في الأسعار بين السوقين المادي والآجل خلال المستقبل القريب.
وبالتالي، يكون في مقدور المشاركين في السوق الاستفادة من خلال تنفيذ صفقات قائمة على المراجحة بين أسعار التعاملات الآجلة والفورية في الأسواق المادية. وبمقدور التجار والمصنعين والمستهلكين الاستمرار في تنفيذ صفقات المتاجرة على الصلب في الأسواق المادية، حيث إن سوق التعاملات الآجلة يعد مكملاً للأسواق الفورية وليس بديلاً له.
عقود الفضة تحرز نجاحاً
رصد إيريك هاشم تحقيق التداول على عقود الفضة الآجلة معدلات نمو مؤثرة، مشيراً إلى أن حجم التداول قد نهض من مستويات منخفضة ليصل إلى تسجيل حجم تداول يومي يبلغ عدة مئات من العقود، ووصف أداء العقد بأنه ناجح.
وقال إيريك إن أعضاء البورصة سعداء بأداء العقد، كما أن البورصة تفعل ما في وسعها لزيادة أحجام التداول، مشيراً إلى أن هناك صانعا للسوق يسهم في تعزيز أحجام التداول على العقد.
ويذكر في هذا المجال أن بورصة دبي للذهب والسلع قد أدرجت عقود الفضة الآجلة على قراءة متأنية لاتجاهات الطلب الاستثماري، إذ أرادت أن يكون إدراج هذه العقود في ظل سوق يسوده ازدهار الطلب الاستثماري.
وأن يتماشى هذا الإدراج مع الدور الذي خطته البورصة لنفسها بأن تكون مكملة للبورصات العالمية الأخرى، عبر ملء فراغات الزمن بين البورصات في العالم الغربي وتلك الموجودة في شرق آسيا، فضلاً عن أنها أرادت أن يتم تصميم العقد على نحو يحقق مصالح صغار التجار وكبار المستثمرين على حد سواء.
دبي ـ مجدي عبيد

