يلفت نظر الزائر إلى بريطانيا والمتسوق في سلسلة مراكز التسوق الغذائي فيها والتي شهدت انتشارا أوسع خلال السنوات الثلاث الماضية عدم وجود موظفين في الكثير من تلك المتاجر لإجراء كلفة المحاسبة على البضائع التي يقوم المتسوق بابتياعها من المتجر.

وهو أمر دفعني للفضول والتحدث إلى المديرة التي تتابع وترقب إجراء المشتري لعملية الحساب لمشترياته بنفسه من خلال وضع ملصق المنتج على جهاز تصوير يقوم بتزويد المشتري بسعر المنتج وفي النهاية يقوم بإعطاء المشتري الكلفة الإجمالية لمشترياته وإرجاع ما تبقى من النقود.. وهي أجهزة ذكية جدا تهتم بأقل التفاصيل حتى وضعية كيس التسوق.. إلخ .

وتساءلت: هل هي ملامح بطالة خلفتها الأزمة أجبرت تلك الشركات والمتاجر لخفض إنفاقها من خلال الاستغناء عن موظفيها والإبقاء على مدير واحد يتابع عمل تلك الأجهزة ويضمن صحة استخدام المتسوقين الجدد لتلك الأجهزة، أم أنها التكنولوجيا الذكية التي تقف وراء الاستغناء عن العنصر البشري وباتت تحظى بشعبية أكبر لدى الشركات والتي تنظر لها على أنها أقل تذمرا وأكثر جهدا مقارنة بالإنسان البشري.

رد مديرة المتجر كان دبلوماسيا حيث قالت: الأجهزة تمكننا من أن نبقى أبواب المتجر مفتوحة لخدمة الموظفين الذاهبين لأعمالهم في ساعات الصباح الباكر والتي نجد من الصعوبة أن نوفر موظفين للعمل خلال تلك الساعات، في حين جاءت إجابة عامل آخر يقوم بترتيب المنتجات على الرفوف مغايرة إذ قال مبتسما: أخشى أن يستحضر المتجر رجلا آليا مستقبلا لترتيب الرفوف وخاصة أن الأزمة وخفض الإنفاق كانا وراء استغناء الكثير من المتاجر عن العاملين فيها.

وربما تبدو كلمات العامل البسيط في ذلك المتجر مؤشرا على تنامي موجة القلق من تزايد البطالة ليست في بريطانيا وحدها ولكن في أوروبا وأميركا بفعل الأزمة. فالقلق بات ككرة ثلج تتدحرج وتتعاظم.

انتقادات

وانتقدت صحيفة الغارديان البريطانية جورج أوزبورن (39 عاما) والذي يعد أصغر وزير مالية في تاريخ بريطانيا في حكومة الائتلاف الجديدة بوضعه فرص تعافي الاقتصاد البريطاني من براثن الأزمة في مسار ضيق وجاء انتقاد الصحيفة متزامنا مع انتقادات وجهها ميرفي كينغ محافظ بنك انجلترا المركزي لجورج أوزبورن بشأن الميزانية الجديدة التي وضعها الأخير.

حيث يرى كينغ أن الميزانية من شأنها أن تعرقل فرص تعافي الاقتصاد البريطاني من الأزمة وسارع بنك انجلترا المركزي وبعد مرور 24 ساعة فقط على إعلان أوزبورن الميزانية الجديدة بنشر أدلة تشير إلى أن الإقراض العقاري في تباطؤ في ظل تنامي المخاوف المستقبلية، حيث يقول تقرير البنك إن التحسن التدريجي في شروط الائتمان والذي كان واضحا في وقت سابق من العام يبدو أنه في تعثر في الاشهر الاخيرة.

وكان المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا قد عزز من جدله بشأن خطط الحكومة البريطانية المتعلقة بالضرائب والإنفاق حيث يرى المعهد بأن تلك الخطط من شأنها أن تقضي على 4 .0% من النمو في بريطانيا خلال الفترة المتبقية من هذا العام 2010 .

والذي يتوقع أن يشهد تباطأ هذا العام مما يثير تساؤلا عما سيحدث إذا لم يتم إعادة إحياء القطاع بالسرعة الكافية لإنتاج الوظائف التي تحتاجها بريطانيا لخفض معدلات البطالة لديها وإستيعاب مئات الآلاف من العاملين في الخدمة العامة الذين بدءا بالحصول على إشعارات الاستغناء عنهم وماذا سيحدث إذا امتدت البطالة اليوم لتصبح بطالة طويلة الأمد على الرغم من قصة سوق العمل البريطاني والتي ليست بالسوء الذي كان يمكن أن تكون عليه بفعل تداعيات الأزمة.

مشكلات الركود

وتقول الصحيفة إن الركود الذي تشهده الولايات المتحدة فيما يتعلق بتداعيات الأزمة على فرص العمل والبطالة يعد الأسوأ منذ حقبة الحرب العالمية باستثناء عام 1982 حيث كانت أرقام البطالة أعلى بقليل مما هي عليه الآن إلا أن متوسط مدة البطالة يعد اليوم أسوأ بنحو 5 .2 مرة مقارنة بأي وقت مضى في تاريخ الولايات المتحدة مما فتح باب الجدل مؤخرا على مصراعيه بشأن إذا ما كان هيكل البطالة في الولايات المتحدة آخذا في الصعود.

أما في المملكة المتحدة فالقضية على النقيض تماما فعلى الرغم من الضربة الكبرى التي لحقت بالناتج الإجمالي المحلي لبريطانيا إلا أن معدلات البطالة تبقى الأكثر انخفاضا مقارنة بنظيرتها في سنوات الركود 1980 و1990 وتعلق الصحيفة بالقول تلك هي الأخبار السارة أما الأخبار السيئة فتتمثل في أنه وعلى الرغم من بيانات شهر يوليو الماضي والتي أظهرت تراجعا في أرقام البطالة في بريطانيا طبقا (لإحصائيات منظمة العمل الدولية الخاصة بالبطالة).

إلا أن تعداد العاطلين عن العمل خلال الستة أشهر إلى الاثني عشر شهرا الأخيرة لا تزال في ارتفاع حيث تعداد العاطلين عن العمل قد بلغ 3 .1 مليون نسمة لفترة تجاوزت الستة اشهر و78 .0 مليون نسمة لأكثر من 12 شهرا أي بمعدل زيادة سنوية بنحو61 الف عاطل عن العمل).

وتتساءل الصحيفة البريطانية حول تأثير البطالة الطويلة الأمد على معدلات النمو والتضخم وهو السؤال الأكبر على حد وصف الصحيفة والتي أضافت أنه وخلال الأيام القليلة الماضية كان الاقتصاديون في الولايات المتحدة محقين في تخميناتهم فاقتصادي مثل جريج مانكيو قال صراحة بأنه من الصعوبة تحديد ما يمكن عمله وتقديم وصفة شفاء للبطالة في ظل مؤشرات حذرة وهائلة.

السياسات الضعيفة

وذكرت صحيفة الغارديان أن السياسات الضعيفة للحكومة البريطانية أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة.وفي ظل بوادر الانقسام والتي بدأت تطفو في لجنة السياسات النقدية ما بين أندرو سينتنس وديفيد مايلز فيما يتعلق بالاستجابة الأصح للتضخم المستمر فإن هذا السؤال يتوقع أن تتزايد أهميته مع الوقت فواضعو السياسات يتجادلون بشأن الآثار المترتبة على أسعار الفائدة، ولكن هناك حاجة لسماع المزيد عن ضرورة العمل على مواجهة البطالة على المدى البعيد.

وفي حالات الركود السابقة فإن نحو 30 % ممن فقدوا وظائفهم بقوا عاطلين عن العمل لأكثر من عام. وإذا ما بقيت أرقام التضخم مرتفعة فإن معدلات البطالة على المدى الطويل هي الأخرى ستتدحرج ككرة ثلج آخذة في التعاظم.

والأدلة التي تخرج بها الشركات والمؤسسات البحثية تشير إلى أن أفضل طريقة لمنع الناس من الانجراف للبطالة على المدى الطويل هو من خلال خلق فرص عمل حقيقية لهم. وهذه هي الفكرة وراء صندوق وظائف المستقبل.

والتي تخلى عنها حزب المحافظين خلال الأيام الأولى من ولايتهم على حد قول الصحيفة، وتحذر الصحيفة بالقول بأنه إذا لم تسرع الحكومة في البحث عن وسيلة بديلة لوقف تحول البطالة إلى بطالة على المدى الطويل. فإن البطالة ستلحق ضررا بالغا ليس فقط بالنمو ولكن أيضا ستلحق ضررا بفرص الحفاظ على مستويات تضخم منخفضة على المدى الطويل.

لندن ـ كفاية أولير