عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرأون القرآن، يقولون: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ ثم قال لأصحابه: هل في أولئك من خير؟! قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أولئك منكم؛ من هذه الأمة؛ وأولئك هم وقود النار» رواه الطراني في الأوسط، ويظهر الإسلام بمعنى: ينتصر ويوالي انتصاراته.

هذا الحديث النبوي الشريف من الأحاديث الشريفة التي يخبر فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم أصحابه بما سيحدث في المستقبل من أمر أمته، وقد حدث فعلاً، فهو من معجزاته ودلائل صدقه في البلاغ عن الله تعالى، فقد أخبرهم بأن الإسلام سوف ينتصر على الكفر ويوالي انتصاراته، وتمتد دولته وتتسع رقعتها التي كانت محصورة في اليابسة ـ في شبه الجزيرة العربية ـ حتى تشمل البحر وما وراءه، فتختلف فيه التجار بسفنهم إلى مختلف الممالك ذهاباً وإياباً.

بل إن خيل المجاهدين من المسلمين سوف تعبر البحر لتنشر الدين الإسلامي في مختلف بقاع الأرض؛ وبعد ذلك يظهر قوم جل بضاعتهم قراءة القرآن ثم يدّعون ـ كذباً ـ أنهم أفضل الناس قراءة للقرآن، وأعلمهم بالدين، وأفقههم في مسائله وأحكامه، مع أنهم لا خير فيهم للإسلام فهم وقود لنار جهنم، والعياذ بالله.

وفيه من اللطائف البلاغية ما يلي:

1ـ أسلوب الحديث النبوي الشريف أسلوب خبري جاء خالياً من التأكيد، لخلو أذهان المخاطبين من الصحابة، رضوان الله عليهم، منه فلم يكن في حاجة إلى تأكيد ليتمكن من أذهانهم، على حد قول الشاعر:

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلباً خالياً فتمكنا

2ـ جاءت الأفعال: «يظهر» و«تختلف» و«تخوض» بصيغة المصارع التي تدل على التجدد والحدوث، للدلالة على أن ظهور الإسلام أي انتصاره واختلاف التجار في البحر وخوض الخيل لغمراته في سبيل الله سيحدث ويتجدد في المستقبل، وما قصة البطولة النادرة لطارق بن زياد في فتح بلاد الأندلس عن طريق عبور البحر من مضيق جبل طارق، بخافية على أحد من المسلمين أو من غير المسلمين!

على أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عما يجده أمامه، لأن الله تعالى يطلعه على ما يخبر به ويصوره له، وكأنه يحدث في وقته!

3ـ التعبير بـ «حتى» التي تفيد الغاية في قوله: «يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر وحتى تخوض الخيل في سبيل الله» للإشارة إلى أن الغاية من انتصار الإسلام بعده صلى الله عليه وسلم هي ازدهار الحياة في الدولة الإسلامية الناشئة وإنعاش اقتصادها بازدهار التجارة فيها وانتشار السفن التجارية في عرض البحر، وانتشار الإسلام عبر البحار.

وقد حذف مفعول الفعل في «تخوض الخيل» أي: البحر، لكونه معلوماً، لتقدم ذكره في قوله: «حتى تختلف التجار في البحر» وجعل الغاية من خوض البحر هي: أن يكون في سبيل الله، وفي هذا: إشارة إلى أن الغاية ـ أيضاً ـ من انتشار السفن التجارية في عرض البحر هي: أن يكون في سبيل الله، لارتباط العبارتين بالاحتباك.

حيث حذف من الأولى: «في سبيل الله» لذكرها في الثانية، وحذف من الثانية لفظة «البحر» لذكرها في الأولى، وهذا من أسرار قوة التعبير النبوي وبلاغته. وأشار بأداة العطف «ثم» ـ التي تفيد الترتيب والتراخي ـ إلى تأخر زمان أولئك القوم الذين سيقرأون القرآن ويدعون أنهم أعلم به من غيرهم.

4ـ وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «هل في أولئك من خير؟!» استفهام إنكاري تعجبي؛ فهو ينفي وينكر أن يكون في أولئك القوم أي خير؛ وقد أغنت هذه الكناية عن أن يواجه الصحابة بأنهم لا خير فيهم لأنهم ـ على حد قوله صلى الله عليه وسلم منهم من هذه الأمة، وذلك لسمو أخلاقه صلى الله عليه وسلم.

وقد أشار إلى القوم بـ «أولئك» التي للبعيد تحقيراً لهم وإبعاداً لهم عن حضرة القرب منه صلى الله عليه وسلم، وقد أكد الإخبار عنهم بأنهم وقود النار بقوله «هم» كما في قوله تعالى: «أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» كما أكد استحقاقهم بأن يكونوا وقوداً للنار بتعريف الوقود بالإضافة إلى النار، حتى كأنهم وقود النار كلها، مبالغة في هذا الاستحقاق.

5 ـ وفي الحديث الشريف من ألوان البديع: الجناس بين «يظهر الإسلام» بمعنى ينتصر، و«يظهر قوم» بمعنى ينكشفون ويتضح أمرهم، وفي الجناس حسن الإفادة مع أن الصورة هي صورة التكرار والإعادة. وفيه مراعاة النظير بين «التجار» و«البحر» وبين «الخيل» و«في سبيل الله» وبين «أقرأ» و«أعلم» و«أفقه» وبها يشيع التآلف والتعانق بين كلمات الحديث مما يجعله مألوفاً سهلاً مأنوساً للسامعين.

د. حسن اسماعيل عبدالرازق