دخل سوق مواد البناء مرحلة هدوء لم يذق طعمها منذ 6 سنوات، فأسعار المواد القيادية فيه هبطت بمعدلات متسارعة، فالأسمنت هبط إلى ما دون السعر الذي حددته وزارة الاقتصاد لمنع التلاعب، في ما ترنح الحديد متراجعاً بفعل انخفاض مواده الخام وخلافات الدول المصنعة. بينما يواجه الزجاج المحلي حرب إغراق غير مسبوقة تستدعي الحماية.
وقال أحمد خلف المزروعي نائب رئيس جمعية المقاولين بالدولة إن «سوق مواد البناء المحلي يبدو مستقراً في الوقت الراهن»، لكن المزروعي لم يخف في اتصال هاتفي مع «البيان الاقتصادي» مخاوفه من أن تؤدي الزيادات المتتالية في أسعار الوقود إلى «تحريك مؤشر أسعار مواد البناء صعوداً، خاصة أسعار الحديد والأسمنت، لتأثر الأول بزيادة أسعار النقل، وتأثر الثاني باعتماده على المحروقات في الإنتاج».
وكانت شركات توزيع المنتجات البترولية المحلية رفعت سعر الوقود 20 فلساً منتصف الشهر الجاري عقب زيادته 15 فلساً في أبريل الماضي من العام الجاري، ليصل إلى 61 .1 فلس للتر الواحد، في ما رفعت «أدنوك للتوزيع» سعر الديزل 25 فلسا للتر الواحد الشهر الجاري ليصبح 35 .2 درهم للتر.
وهبطت أسعار الأسمنت إلى نحو 12 درهماً، وهو أقل من السعر الذي حددته وزارة الاقتصاد في اجتماعها مع الهيئة التنسيقية متراوحاً ما بين 14 درهماً و16 درهماً للكيس، وتدنى سعر الطن إلى ما دون 200 درهم.
وأصابت توقعات «البيان الاقتصادي» التي نشرتها قبل شهر من أن أسعار الحديد المستورد تتجه للهبوط إلى مابين 2200 و2000 درهم للطن بدلاً من مستوياته في تلك الفترة عند ما بين 2800 درهم و2600 درهم. وارتكزت «البيان» في توقعاتها إلى أسباب تجارية عالمية ومحلية وطبقاً لتصريحات تجار مواد بناء وشركات مقاولات بالدولة.
ويخشى المراقبون من أن تشهد أسعار مواد البناء مضاربات على خلفية الوعد الذي قطعته نخيل العقارية على نفسها بمواصلة إنجاز 6 من مشاريعها الضخمة وحفز عشرات المطورين الثانويين على إدخال مشاريعهم حيز التنفيذ، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على مواد البناء.
توقعات
وذهبت توقعات المحللين الاقتصاديين أدراج الرياح عندما وصفوا 2010 بأنه عام التعافي في صناعة الصلب العالمية عموماً والأوربية تحديداً، لكن الصعوبات الاقتصادية التي تعيشها الأخيرة على خلفية ما بات يعرف باسم «أزمة اليورو» دفعت المحللين إلى ترحيل وصف التعافي إلى 2011 بحسب صحيفة وول ستريت جورنال.
واستبعد محللون محليون هبوطاً سريعاً في أسعار الحديد، لاسيما وأن شهري أبريل ومايو الماضيين شهدا توقيع عقود مشاريع بناء بنحو 32 مليار درهم (ما يعادل 7 .8 مليارات دولار) طبقاً لتقرير غير رسمي لشركة فينتشر الشرق الأوسط. وقالوا إن التراجع الهادئ سيرافق كل مواد البناء بقيادة أسعار الحديد المتذبذبة وأسعار الأسمنت المستقرة.
محلية وعالمية
وقال إبراهيم الرحماني الذي يدير واحدة من كبريات شركات توريد مواد البناء في الدولة إن «توجهات الصين لكبح طفرتها العقارية وإجراءاتها الرامية لتقليص أنشطتها الاقتصادية من جهة وتراجع أسعار الخام في العالمي وتداعيات واستحقاقات فصل الصيف من جهة أخرى، تعمل جميعها على إحباط أية محاولة لرفع الأسعار».
وكانت أسعار الحديد ارتفعت بفعل مضاربات بداية العام الجاري - قبل أن تستقر مؤخراً ؟ بسبب ارتفاع أسعار خامات الحديد عالمياً بنسبة 104 % بداية مارس الماضي، ما يفسر ارتفاع أسعار كتل الحديد الصلب المستوردة بنحو 40 في المئة منذ بداية العام الجاري، الأمر الذي انعكس على أسعار المنتج النهائي لحديد التسليح الذي يستخدم على نحو واسع في التشييد.
لكن الحال لم تستمر طويلاً قبل أن تندلع «معارك» بين الدول المصدرة للصلب وقيامها بإجراءات حماية لمنتجاته، وقادت لاحقاً إلى انخفاض أسعار خام الحديد.
وتراجعت أسعار الحديد 200 درهم نهاية أبريل لتتراوح الأسعار ما بين 2800 درهم و2600 درهم عقب وصول كميات من الحديد المستورد إلى السوق المحلي.
وتسبب بلوغ أسعار الحديد ما بين 3000 و3100 درهم للطن بداية شهر أبريل الماضي في موجة من التذمر والشكوى من جانب المقاولين، ووصفوا تلك الزيادات بأنها « مفتعلة»، لاسيما وأن سعر الطن لم يكن يتجاوز 1900 درهم للطن بداية 2010.
وحافظ سعر طن الأسمنت السائب عند مستوياته ما دون ال200 درهم (حوالي 11 درهماً و12 درهماً للكيس)، رغم محاولات شركات الأسمنت ومصانعه لتثبيته عند 220 درهما تقريباً للطن. وبلغ سعر طن الأسمنت 150 درهما بداية 2010 لكن الشركات رفعته لتخفيف حدة الخسائر التي تعرضت لها بسبب تراجع الطلب على الأسمنت.
وبحسب رئيس جمعية المقاولين الدكتور احمد سيف بالحصا فإن إنتاج المصانع بالدولة يصل إلى نحو 30 مليون طن. لكن المصانع تقول إن الاستهلاك الحالي يتراوح ما بين 10 ملايين طن إلى 12 مليون طناً.
وحقق سعر الأسمنت سقفاً تجاوز 35 درهماً خلال الأعوام الأخيرة من عمر الطفرة العقارية وتعرضت المصانع إلى اتهامات ب«التكتل» لفرض أسعار لا تتفق مع العرض والطلب، وتدخلت وزارة الاقتصاد أكثر من مرة وحددت سعر كيس الأسمنت ما بين 14 و16 درهماً.
وتعرضت الجهود الأخيرة التي بذلتها بعض مصانع الأسمنت وشركاتها إلى التشتت على الرغم من شهرتها التي اكتسبتها عام 2004 في طريقة ضبط إيقاع أسعار البيع للمقاولين، لكنها باتت اليوم غير قادرة على الاتفاق على سعر موحد حيث غالباً ما تتفق في اجتماعاتها تحت مظلة الهيئة التنسيقية التي تجمعها لكنها تتصرف على نحو مغاير لما اتفقت عليه.
وتتنافس المصانع في تقديم خيارات سعرية منافسة للمقاولين، ولكن تلك الخيارات مرتبطة إلى حد كبير بطريقة السداد وموقع التسليم.
وتتضارب الأرقام حول تكلفة نقل الأسمنت من المصنع إلى موقع العمل، وتتناسب تلك التكلفة طردياً بين المصانع والتجار من جهة، ومواقع العمل من جهة أخرى حيث تقدر تكلفة توصيل طن الأسمنت من رأس الخيمة إلى الشارقة ب16 درهماً وإلى 19 درهماً، لكنها تقفز إلى 25 درهما إلى جبل علي وصولاً إلى أبوظبي بـ 30 درهماً للطن.
ويشهد الطلب على مادة الأسمنت في عموم مدن الدولة حالياً تراجعاً بنحو 12% إلى 15% مقارنة بالشهر الماضي بسبب تباطؤ أداء شركات المقاولات المرتبط بشركات التطوير العقاري.
تحرك مرتقب
ويوشك العديد من شركات التطوير العقاري على مغادرة موقع المراقب إلى موقع المتحرك الفاعل من خلال زج عشرات المشاريع إلى حيز التنفيذ بانتظار الحصول على الموافقات النهائية من شركات التطوير الرئيسة، لاسيما شركة نخيل التي أعلنت أنها ستباشر في غضون شهرين مواصلة إنجاز 6 من مشاريعها العقارية الضخمة.
ويعد مشروع جميرا فلج ساوث الداينمو الجديد في سوق الإنشاءات، وهو أحد المشاريع الستة التي وعدت نخيل بإنجازها عقب حسم ملف ديون 1000 مقاول، حيث يستعد عشرات المطورين لإنجاز مبانيهم، ويضم المشروع عشرات المشاريع التي توقفت عشية الأزمة المالية العالمية بسبب تعثر المطورين وتعرض المقاولين إلى مشاكل تتعلق بالسيولة وسط عدم استقرار سوق مواد البناء حينها.
عرض وطلب
قال الدكتور احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين إن «الأسعار المستقرة في سوق مواد البناء تخدم الجميع، لكن الزيادات السعرية المفاجئة التي تحدث بين الحين والآخر غير مبررة وتربك المقاولين». وأكد «أن الجمعية تقف ضد كل تحرك للأسعار لا يتم وفق العرض والطلب».
ويعتقد المهندس عماد عزمي المدير الشريك في شركة الشعفار للمقاولات «بأن أسعار الحديد مرشحة للمزيد من الهبوط بسبب وجود شحنات مؤكدة من الحديد بكافة أنواعه ومن مناشئ قطرية وتركية في طريقها للأسواق المحلية» تلبية لدعوة وجهتها الاقتصاد مؤخراً لتنويع مصادر توريد الحديد لضمان الحصول على أسعار منافسة.
وأعلنت وزارة الاقتصاد صراحة أنها «ستكون حازمة حيال أية محاولات لاحتكار الحديد (أو أية مواد بناء أخرى) بوصفه مخالفاً للقانون الاتحادي لحماية المستهلك».
طلب مختلف
ويقول فرانك اوينز مدير منتجات الاخشاب الصلبة في شركة الدانوب لمواد البناء، إن الطلب في السوق بات يأخذ منحى آخر مع تنامي ثقافة البناء بالمواد الصديقة للبيئة.
واضاف أنه من الصعب على المقاولين استخدام تلك المواد بالمواصفات التي تطلبها الشركات الاستشارية من دون أن تكون تلك المواد متوافرة في الأسواق، وهذا ما دأبت عليه الشركة لجهة توفير تلك المواد، وتحديداً الخشب الذي يشكل إحدى ابرز المواد المطلوبة في عمليات البناء.
انخفاض الأسعار
أما المدير الشريك سليمان عارف في شركة بن سبت للمقاولات فقد أكد أن انخفاض أسعار مواد البناء قد أسفر عن تراجع أسعار البناء إلى مستويات تصل إلى 20%، بينما يؤكد آخرون أنها وصلت إلى مابين 40% و50%.
وأضاف أن حركة أسعار مواد البناء حالياً طبيعية ولا تقلق، لكن المخاوف تتركز من أن يؤدي ارتفاع أسعار المحروقات إلى زيادة اسعار مواد البناء على خلفية زيادة اسعار نقلها، لاسيما وان مواد البناء بحاجة إلى نقلها بشكل متواصل إلى المواقع الإنشائية، سواء من المخازن أو من الموردين أو الموانئ وغيرها.
مؤشر أسعار
وكانت جمعية المقاولين بالدولة طالبت بضرورة العمل على تأسيس مؤشر لأسعار مواد البناء الرئيسية لضمان قطع الطريق أمام المضاربين وكبح جماح ارتفاع الأسعار المفاجئ وعدم تعريض المشاريع التنموية والعقارية إلى العرقلة.
وقال الدكتور أحمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين بالدولة إن المطالبة بوجود مؤشر قياسي لأسعار مواد البناء الرئيسية في السوق المحلي ليست ترفاً، بل حاجة ملحة لضمان عدم السماح للمضاربين من التجار بالتلاعب بالأسعار لتحقيق أرباح غير مشروعة.
الزجاج يقاوم
سألت خالد بن كلبان العضو المنتدب، وكبير المسئولين التنفيذيين لمجموعة «دبي للاستثمار» عن التحديات والمعوقات التي تواجه صناعة الزجاج الوطنية، لاسيما وأن المجموعة باتت ترسخ مكانتها لتصبح لاعبا عالميا في 35 سوقاً عالمياً ومع ذلك تشكو من الإغراق.
فأجاب: العقبات التي تواجه صناعة الزجاج الوطنية ليست عقبات تقنية، بل هي في اغلبها تشريعية، وفي غياب سياسات الحد من الإغراق، إلى جانب غياب أنظمة تصنيف المواد الأولية التي تدخل إلى الدولة، وفي الحقيقة هناك عدم فهم لطبيعة تلك المواد، بحيث ان الجهات المعنية تتعامل مع ألواح الزجاج الخام المستورد بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع الزجاج المستورد المطلي والجاهز للاستخدام.
ولو سألت أين القيمة المضافة على المادة الخام المستوردة؟ وكم خسرت الدولة جراء دخول مواد خام غير مصنعة من دون ضرائب؟ فلن تحصل على جواب، لأن هناك عدم معرفة بالمواد الجاهزة للاستخدام والمادة الخام التي تحتاج إلى تصنيع.
ويبدو ان المشرّع عندما وضع تصنيفاته لبعض المواد الأولية لم يكن يفكر بأن دولة الإمارات ستدخل في مجال الصناعات المحلية. ولم يميز بين المواد الخام والمواد المصنعة والقيمة المضافة.
تحقيق ـ مشرق علي حيدر
