خلصت دراسة اقتصادية خليجية إلى أن الأزمة المالية العالمية قد أثرت سلبياً على اقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وان دور الصناديق السيادية الخليجية في الحد من آثار تلك الأزمة كان ضعيفاً أو معدوماً مما يثير تساؤلات عن إمكانية الاستفادة من تلك الصناديق في علاج وتجنب الأزمات المالية والاقتصادية.
وأوضحت الدراسة ان الصناديق السيادية تمارس آثاراً قوية ومتشعبة على الاقتصاد المحلي وعلى الأسواق المالية الدولية وانه يمكن ان تلعب الصناديق السيادية الخليجية دوراً مهماً في تجنب أو الحد من مخاطر الأزمات المالية والاقتصادية في المستقبل لو أمكن حسن إدارتها وتحديد أهداف اقتصادية واجتماعية لها تتوافق مع الأهداف الوطنية.
وأوردت الدراسة التي أعدها الدكتور هشام عبدالباقي من كلية إدارة الأعمال في جامعة البحرين عدداً من الصعوبات التي تواجه الاستفادة من الفوائض المالية النفطية ومنها عدم توفر المناخ الاستثماري المناسب في الدول صاحبة الفوائض المالية وأيضاً في الدول العربية المجاورة وكذلك تقويم عائدات النفط بالدولار الأميركي .
مما يعرض قيمة تلك العوائد للتقلبات مع تغيرات أسعار صرف الدولار في الأسواق الدولية، وانخفاض الطاقة الاستيعابية للاستثمار في الدول صاحبة الفوائض وفي الدول العربية المجاورة وانخفاض كفاءة الأسواق المالية العربية وأخيراً ارتباط عملات الدول النفطية بالدولار الأميركي مما يؤثر على فعالية السياسة النقدية بتلك الدول فضلاً عن تعرض إيراداتها للتقلبات.
وتضمنت أهم توصيات الدراسة ضرورة استخدام الفوائض النفطية في استثمارات حقيقية وليس مالية والعمل على تدعيم السوق المالي الإسلامي والتنسيق بين الدول النفطية ذات الفوائض لاستخدام سياسات نقدية ومالية موحدة بالإضافة إلى توفير المعلومات والإحصاءات بشفافية عن الصناديق السيادية وإدارتها وعائداتها وأخيراً العمل على المستوى الدولي «على زيادة تأثير ومساهمة الدول الخليجية ذات الفائض المالي في النظام النقدي والمالي العالمي».
5 .1 تريليون دولار
وبحسب الدراسة المنشورة في العدد الجديد النشرة الفصلية التي تصدرها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي تشير التقديرات إلى أن قيمة تلك الصناديق تقدر بنحو 5 .1 تريليون دولار في منتصف العام 2008 وتمتلكها دول مجلس التعاون الست فيما عدا البحرين وعمان.
تمتلك الإمارات 875 مليار دولار، والمملكة العربية السعودية 300 مليار دولار، والكويت 250 مليار دولار، وأخيراً دولة قطر 40 مليار دولار.
وتشير تلك التقديرات أن خسائر تلك الصناديق منذ ذلك الوقت قد بلغت 20%، فقد صرح وزير خارجية الكويت على سبيل المثال، أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد خسرت أكثر من 5 .2 تريليون دولار خلال الأربعة أشهر الأولى للأزمة المالية العالمية الراهنة.
وتضم هذه الخسائر 600 مليار دولار خسارة في الاستثمارات بالخارج و200 مليار دولار خسائر في عوائد النفط، نتيجة انخفاض أسعار النفط، والقيمة المتبقية تظهر في صورة خسائر في الأسواق المالية لتلك الدول.
حزمة سياسات وإجراءات
وتوضح الدراسة أن علاج الأزمة المالية، وما ينجم عنها من آثار ركودية، يتطلب اتخاذ السلطات المحلية لحزمة من السياسات والإجراءات تهدف إلى دعم الجهاز المصرفي وإنعاش الطلب الكلي والعمل على زيادة فرص العمل أو على الأقل تخفيف حدة البطالة.
فضلاً عن دعم الاستثمار ولا يغيب عن كل ذي فكر أن دعم الجهاز المصرفي أثناء الأزمات المالية، ولا سيما في بدايتها، حتى لا تتزعزع ثقة العملاء والمستثمرين فيه أمر مهم.
ويأتي ذلك من خلال حقن القطاع المصرفي برؤوس أموال من جهة والدعم المالي للمصارف، ولا سيما تلك المتوقع تأثرها بالأزمة بدرجة أكبر من جهة أخرى. ويمكن أن تساهم صناديق الثروة السيادية في هذا الصدد من خلال إيداع جزء من أرباحها لدى المؤسسات المالية المحلية، وكذلك تحويل جزء من استثماراتها للاستثمار في المنتجات المالية لدى تلك المؤسسات.
وفي حالة تحول الأزمة من القطاع المالي إلى القطاع الحقيقي يجب اتخاذ حزمة من السياسات الكلية للحد من آثارها على الاقتصاد القومي، وتتمثل تلك السياسات جملة في السياسات التوسعية.
حيث يواكب عادة الأزمة الاقتصادية انخفاض النشاط الاقتصادي ومن ثم دخول الاقتصاد في حالة ركود تختلف حدتها باختلاف عوامل عدة، وهنا يلزم اتخاذ سياسات توسعية لتنشيط الطلب الكلي أو على الأقل العمل على عدم انكماشه، ويأتي ذلك بضخ أموال في الاقتصاد القومي.
السياسات التوسعية
وتتشكل السياسات التوسعية من:
ـ السياسة النقدية، حيث يعمل المصرف المركزي على تخفيض سعر الخصم وخفض نسبة الاحتياطي القانوني وشراء السندات الحكومية في أسواق الأوراق المالية، فضلاً عن تقديم السيولة اللازمة للمصارف والقطاعات الحيوية بالاقتصاد، أيضاً يعمل المصرف على اتخاذ بعض الإجراءات الأخرى منها تمديد فترات استحقاق السندات الحكومية التي بحوزة المصارف المحلية و/أو الجمهور.
ـ السياسة المالية، حيث تقوم الحكومة بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي.
ـ دعم ميزان المدفوعات بالعمل على تشجيع الصادرات لزيادة التدفقات النقدية للداخل والحد من الواردات لخفض التدفقات النقدية للخارج.
ضخ أموال
وتخلص الدراسة إلى ان تنفيذ السياسات التوسعية يعتمد على ضخ أموال في الاقتصاد القومي، وعلى العمل على زيادة التدفقات الداخلة والحد من التدفقات للخارج، وهنا يأتي دور صناديق الثروة السيادية في توفير الموارد المالية اللازمة من خلال تحويلات عائدات تلك الصناديق للداخل.
وأيضاً من خلال توجيه جزء من مواردها المالية والفنية للاستثمار في الداخل وما لذلك من أثر إيجابي على الطلب الكلي من جهة وعلى حالة ميزان المدفوعات الوطني من جهة أخرى.
وأخيراً فإن ذلك يعمل على زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد وفرص العمل المتاحة في الاقتصاد القومي على المدى الطويل، فضلاً عن العمل على دفع عجلات النمو الاقتصادي حتى يتمكن الاقتصاد من الاستجابة السريعة للخروج من الأزمة.
وباستقراء الواقع نجد أن متخذ القرار في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليس لديه خطة واضحة المعالم لإمكانية استغلال الصناديق السيادية الخليجية في علاج الأزمات المالية والاقتصادية أو لتجنب تلك الأزمات في المستقبل.
وليس أدل على ذلك من ضعف أو عدم استغلال تلك الصناديق في مواجهة الأزمة المالية العالمية الحالية التي تعصف بدول العالم بأسره ومازالت آثارها تتوالى.
أبوظبي ـ «البيان»
