اعتبر عمر جمعة المهيري القاضي بمحاكم مركز دبي المالي العالمي استئثار الدعاوى العمالية بالقسم الغالب من الدعاوى المسجلة بمحكمة الدعاوى الصغيرة ليس بمثابة «ظاهرة»، موضحا بأن قيام نحو 20 موظفا برفع دعاوى من حوالي 5 آلاف موظف يعملون في مركز دبي المالي العالمي يعد أمراً طبيعياً.

وذلك عند مقارنة هذا الوضع بمثيله في سوق العمل المحلية، ومع الأخذ في الاعتبار أنه غير ممكن تصنيف هذه الفئة التي تضم موظفين يتدرجون من قمة الهرم الوظيفي إلى قاعدته على أنها عمالة محدودة الدخل.وأكد أن مهمة محكمة الدعاوى الصغيرة غير محصورة على الدعاوى العمالية، ولكنها تعمل على تحقيق العدالة وصون وحماية العلاقات التعاقدية بمختلف أشكالها التجارية والمدنية والعمالية.وأوعز عمر المهيري أسباب ارتفاع عدد القضايا العمالية المسجلة بمحكمة الدعاوى الصغيرة التابعة لمحاكم مركز دبي المالي العالمي إلى عدم إلمام العمال بالقوانين وعدم درايتهم ببنود العقود التي يبرمونها مع أرباب العمل.

ودلل على ذلك بإشارته إلى أنه بالرغم من أن الدعاوى العمالية تشكل حوالي 90% من إجمالي عدد الدعاوى المسجلة بمحكمة الدعاوى الصغيرة، إلا أن الشطر الأعظم منها تمت تسويته صلحاً بمجرد معرفة الموظف ببنود عقد العمل.

ارتفاع عدد القضايا

ورصد عمر المهيري تراجع عدد الدعاوى المسجلة بمحكمة الدعاوى الصغيرة خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وذلك على الرغم من ارتفاع أعدادها في عام 2009 بالمقارنة مع العام السابق عليه، موضحاً أنه تم تسجيل 54 قضية في عام 2008، تم تسوية 50 منها بالصلح.

فيما تمت إحالة القضيتين المتبقيتين إلى جلسة مرافعة للحكم فيها، وأن عام 2009 شهد زيادة في أعداد القضايا المسجلة لتصل إلى 64 قضية، تم الفصل في 60 قضية منها بالصلح، وإحالة القضيتين المتبقيتين إلى جلسة مرافعة للحكم فيها.

ولفت إلى أنه ربما يعود سبب التراجع المحتمل لعدد القضايا المسجلة خلال العام الحالي إلى لجوء الأطراف المتنازعة إلى أساليب بديلة لتسوية المنازعات كالتحكيم مثلا. واعتبر عمر المهيري أن زيادة أعداد القضايا المسجلة في عام 2009 ليست مؤشراً على الأزمة المالية العالمية.

ولا تعكس كذلك حالة تأثر الشركات العاملة بالمركز بمجريات هذه الأزمة، ولكنه رد أسباب هذه الزيادة إلى عدم وعي الموظفين بالقوانين السارية بالمركز وعدم معرفتهم ببنود عقود العمل التي يوقعون عليها.

وأوضح عمر المهيري أنه جرى تنظيم دورات تثقيفية تهدف إلى نشر الوعي بالقوانين المطبقة والإجراءات المتبعة، وشارك في هذه الدورات محامون ومستشارون قانونيون مواطنون.

فضلاً عن مشاركة شرائح مجتمعية أخرى بغرض تطوير الثقافة القانونية لدى فئات المجتمع، وأنه يجري تنظيم هذه الدورات التثقيفية بشكل سنوي منذ عام 2009، من خلال التعاون مع معهد دبي القضائي، ومن المخطط خلال العام الحالي زيادة أعداد الفئات المستهدفة من جانب تلك الدورات التثقيفية.

نظام متفرد

ورأى عمر المهيري أن نظام محاكم الدعاوى الصغيرة تتفرد به محاكم مركز دبي المالي، رغم وجود أنظمة مماثلة له في سنغافورة والمملكة المتحدة، مشيراً إلى أنه قد تم أقلمة هذا النظام مع قوانين وبيئة أعمال مركز دبي المالي العالمي.

وأنه يتم النظر في الدعاوى المرفوعة بمحكمة الدعاوى الصغيرة بطريقة مغايرة عن تلك المتبعة في الأنظمة القضائية المماثلة، وذلك رغم وجود أوجه تشابه بينها وبين تلك الأنظمة مستمدة من كونها تنهض على النظام القانوني الأنغلوسكسوني.

وشرح عمر المهيري مزايا التقاضي أمام محكمة الدعاوى الصغيرة بإشارته إلى أن المحكمة توفر آلية لتسوية المنازعات غير مكلفة، وأوضح هذه النقطة بقوله لا يتحمل المتقاضون مصاريف المحامين، باعتبار أنه غير مسموح للمحامين حضور جلسات المحاكمة.

وتخرج كذلك مصاريف الدعوى عن دائرة التقاضي، بأن لا يصدر القاضي حكماً بشأنها، وإنما يتركها للأطراف أنفسهم، بحيث يتحمل كل طرف مصاريفه الخاصة، وهو وضع مختلف تماماً عما هو معمول به في محكمة الدرجة الأولى، إذ يتحمل خاسر الدعوى رسوم ومصاريف الدعوى، أياً كانت قيمتها.

وواصل شرحه لميزة خفض كلفة التقاضي بقوله «تفرض رسوم متدنية بحد أدنى 200 درهم وأقصى 2000 درهم، وحتى في حالة عدم تسوية المنازعة بالصلح، وإحالتها إلى جلسة مرافعة التي يكون فيها استدعاء محام للترافع رهن بتقدير القاضي، يتحمل الخصم الراغب في مثل هذا الأمر أتعاب المحاماة، وإذا ما كان غير قادر على تحمل تكاليف المحاماة، فبإمكانه الاستعانة ببرنامج محاكم مركز دبي المالي العالمي المجاني الذي يقدم استشارات قانونية مجانية.

الجمع بين الصلح والمرافعة

وعرض عمر المهيري ميزة أخرى لمحاكم الدعاوى الصغيرة تتمثل في كونها توفر آلية للتقاضي تجمع بين الصلح والمرافعة بقوله: تنظر الدعوى بطريقتين وهما الصلح والمرافعة، وبالتالي، تعتبر أول محكمة بهذا الشكل على مستوى الوطن العربي، ففي حالة طريقة الصلح، يتم النظر في الدعوى خلال سبعة أيام.

وذلك من قبل قاضي يقوم بدور المصلح الذي يوفق بين الطرفين المتنازعين من خلال حضورهما الشخصي أو حضور ما ينوب عنهما، على أن لا يكون محاميا، وإذا تمت التسوية بالصلح يصدر القاضي حكما اتفاقيا قابلا للتنفيذ.

وإذا لم تتم التسوية، يحيل القاضي القضية إلى قاضي المرافعة الذي يستمع إلى مرافعة الطرفين، ويقوم بإصدار حكم قابل للنقض خلال فترة أسبوعين من صدور الحكم، ويجوز إحالة الدعوى إلى محكمة أول درجة إذا ما ارتأى القاضي ذلك، ويكون حكمها نهائياً وقابلاً للتنفيذ.

وساق عمر المهيري ميزة أخرى لمحاكم الدعاوى الصغيرة، وهي سرعة فض المنازعات، مشيراً إلى أنه يتم النظر في الدعوى والحكم فيها خلال أربعة أسابيع، وهي المدة المستهدفة من قبل إدارة المحكمة، وأن هناك حالات استثنائية، من بينها تقدم أحد أطراف النزاع بطلب تمديد فترة التقاضي بناء على أسباب مقنعة للقاضي، فضلاً عن القضايا التي يجري فيها استدعاء خبراء.

ورأي عمر المهيري أن استهداف فترة تقاضي لا تزيد على شهر لا تشكل عامل ضغط على الهيئة القضائية لمحكمة الدعاوى الصغيرة، حيث توجد نسبة وتناسب بين عدد القضايا وعدد القضاة.

وعدد عمر المهيري الأسباب الداعية إلى تأسيس محكمة الدعاوى الصغيرة بإشارته إلى عملية التأسيس بأنها جاءت للتماشي مع الاتجاه العالمي الداعي إلى تفضيل اللجوء إلى الأساليب البديلة لتسوية المنازعات القانونية.

وتشجيع أطراف النزاع على فض نزاعاتهم من خلال توفير آلية تقاضي زهيدة التكلفة وأساليب تسوية تتدرج من التوفيق والصلح إلى إصدار الأحكام القضائية، بيد أنه اعتبر أن السبب الرئيسي لتأسيس محاكم الدعاوى الصغيرة يتمثل في تلبية احتياجات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأن نجاح المحكمة في تحقيق هذه الأهداف مجتمعة جعلها تشغل مركزاً ريادياً في مجال الأخذ بالأساليب البديلة لفض المنازعات.

ورد عمر المهيري أسباب قيام محكمة الدواعي الصغيرة بتعديل اختصاصها القيمي في 17 يونيو الماضي إلى مطالبة المشروعات الصغيرة والمتعددة باستحداث مثل هذا التعديل، وشرح هذا الأمر بقوله «كان الاختصاص القيمي لمحكمة الدعاوى الصغيرة قبل 17 يونيو ينصرف إلى الدعاوى التي لا تزيد قيمة المطالبات فيها على مئة ألف درهم.

وذلك بدون اشتراط اتفاق الأطراف المتنازعة، بيد أنه بعد 17 يونيو، تم تعديل التشريع بالنسبة للاختصاص القيمي ورفع قيمة المطالبة التي تدخل في صلاحية المحكمة إلى 500 ألف درهم، بشرط اتفاق الأطراف إذا كانت المنازعة مدنية أو تجارية، أما إذا كانت المنازعة عمالية فهي بدون سقف، ويشترط اتفاق الأطراف المتنازعة.

والشرط الوحيد هو اتفاق العامل ورب العمل على قيام محاكم الدعاوى الصغيرة بالنظر في المنازعة، وفي حالة تعذر الاتفاق بين العامل ورب العمل، يتم تطبيق الأحكام العامة، بأن تنظر محكمة أول درجة في المنازعة وفقا للإجراءات الخاصة بها».

وأستدرك عمر المهيري بقوله: جاء هذا التعديل لأسباب عديدة، من بينها طلب أصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة بزيادة فاعلية وسرعة إنجاز القضايا التي تنظرها محاكم الدعاوى الصغيرة، وتقليل تكاليف التقاضي.

وقد تبين بناء على دراسة أجرتها محكمة الدعاوى الصغيرة أن أغلب التعاملات في هذا القطاع تصل قيمتها إلى 500 ألف درهم، وبالتالي، جاء تعديل قيمة المطالبات مناسباً للدعاوى المدنية والتجارية والعمالية.

دعاوى ليست كيدية

قال عمر جمعة المهيري القاضي بمحاكم مركز دبي المالي العالمي ان جميع الدعاوى التي تم رفعها في محكمة الدعاوى الصغيرة هي دعاوى حقيقية وليست كيدية، مشيراً إلى أنه إذا تبين للقاضي خلال نظر الدعوى أنها دعوى كيدية، فإنه يجوز في مثل هذه الحالة رفع دعوى تعويض يتم النظر فيها من قبل المحكمة.

وثمن عمر المهيري دور محكمة الدعاوى الصغيرة في مجال تسوية المنازعات العمالية بأنه دور إيجابي يكفل إعطاء كل ذي حق حقه سواء أكانوا موظفين أو أرباب عمل، لافتاً إلى أن الأبواب مفتوحة في كل محاكم مركز دبي المالي العالمي وقسم التظلمات بسلطة مركز دبي المالي العالمي أمام الموظفين الذين يشعرون بأن هناك ظلماً قد وقع عليهم.

وأن القانون يسري على الجميع بما في ذلك سلطة مركز دبي المالي العالمي التي يجري التعامل معها بوصفها شخصية اعتبارية يتم تمثيلها بشخص ينوب عنها أو محام مفوض بالدفاع عنها.

حيث خول القانون رقم (9) الذي بموجبه تم تأسيس المنطقة الحرة لمركز دبي المالي ومنح سلطات المركز صلاحية التقاضي والمقاضاة بوصفها شخصيات اعتبارية.

دبي ـ مجدي عبيد