«آفاق التفاعل بين الفكر الإسلامي والغربي ليست فقط واقعًا تاريخيًا عبر العصور وعلى مختلف الصور والأشكال، لكنها تعبر عن مشكلة نظرية عرضها القدماء بتعبير «علوم الوسائل وعلوم الغايات» أو «علوم العجم وعلوم العرب» أو «علوم المتقدمين وعلوم المتأخرين»، ويعنون بذلك أن كل حضارة إنما تنشأ وتتكون من عنصرين داخلي وهو «علوم الأنا»، وآخر خارجي وهو «علوم الآخر»، وهو ما أمكن تسميته بالموروث والوافد».. هذه القضية طرحها في ندوة حديثة أساتذة اللغة العربية والثقافة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة على مائدة البحث، وحضرها أساتذة من جامعات عربية..نرصد تفاصيلها عبر السطور التالية.
الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري، قدم ورقة فكرية عرض خلالها موقف المسلمين من الفكر الوافد قديمًا.. مؤكدًا أنه ليس هناك شك في أن التفاعل مع فكر الآخرين من شأنه أن يُثري الثقافة، ويجدد الفكر بما يضيفه إلى ثقافة الآخرين، وعلومهم، وقد أدرك المسلمون هذه الحقيقة في وقت مبكر، وأظهروا اهتماما واضحاً بالتفاعل مع الثقافات الأخرى، ومن المعروف أنهم عندما شرعوا في بناء حضارتهم استفادوا من تراث الحضارات الأخرى شرقاً وغرباً؛ فقد نقلوا إلى العربية كل ما وصل إلى أيديهم من فكر وثقافة الآخرين وعلومهم، والتاريخ شاهد على ما قام به خلفاء المسلمين من تشجيعٍ على الاستفادة من تراث الآخرين ليس فقط في عصر الخليفة المأمون، وإنما أيضاً في فترات سابقة ولاحقة.
يكشف د. زقزوق صورة لطبيعة التفاعل الفكري في العصر الوسيط، حيث كانت الأندلس خير مثال على هذا التفاعل على نحو غير مسبوق، ويقول: تعايش الفكر الإسلامي والمسيحي واليهودي في ظل تعددية دينية وثقافية انعكس أثرها ثراء وغنى على الفكر والثقافة بصفة عامة، ولا ننسى أنه في ظل هذا المناخ الثقافي ألف مفكرون يهود منهم موسى بن ميمون كتابه «دلالة الحائرين» باللغة العربية، ولكون التراث الحضاري أخذ وعطاء فقد وجدنا هناك على الجانب الأوروبي تفاعلاً ثقافياً ملحوظًا بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأوروبية في العصر الوسيط، ومن الثابت أن أوروبا قد استفادت من ذلك الزمان من الثقافة العربية، فقد ترجم الأوروبيون كل ما وقع في أيديهم من ثقافة العرب إلى اللغة اللاتينية التي كانت لغة الثقافة في كل أنحاء أوروبا، وتمت هذه الترجمات في القرون الثلاثة الأولى من الألفية الثانية، وكان من بين ما تمت - حينذاك - ترجمته القرآن الكريم العام 1143 بصفة رئيسية في الأندلس التي تجمعت فيها الثقافات وحظيت بالتعددية الدينية والثقافية..
يضيف د. زقزوق أن مجال الأدب كان أحد أهم المحاور في التفاعل بين الفكر الإسلامي والغربي، وامتد ليشمل العديد من الأدباء الأوروبيين في مختلف أنحاء أوروبا، ويشير إلى بعض الأمثلة، وبصفة خاصة «جوته» أشهر أدباء ألمانيا بالفكر الإسلامي، وقد ظهر ذلك بوضوح تام في ديوانه المعروف ب«الديوان الشرقي الغربي»، واقتباساته الكثيرة من القرآن الكريم، وتأثره العميق به..
ومن أمثلة التفاعل الفكري الإسلامي الغربي في مجال الأدب أيضًا، وإن كان ذلك يرجع إلى العصر الوسيط، تأثر الأديب الإيطالي دانتي «1265 ؟1331» صاحب الكوميديا الإلهية الشهيرة ب«رسالة الغفران لأبي العلاء المعري»، وبقصة «الإسراء والمعراج»؛ وإذا كنا نشير هنا إلى تأثر «دانتي» بأبي العلاء المعري، وقصة الإسراء والمعراج؛ فإننا في الوقت نفسه نرفض رفضًا قاطعًا توجهاته المعادية للنبي، عليه الصلاة والسلام، ولعلي بن أبي طالب، وقد حذف الدكتور حسني عثمان مترجم «الكوميديا الإلهية» إلى العربية الجزء الخاص بمحمد، صلى الله عليه وسلم، حتى لا يجرح الشعور الديني لدى المسلمين..
الدكتور سلطان بن علي شاهين، أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعات السعودية، يرى أن التفاعل الفكري ذلك النشاط الذهني والثقافي والعلمي، أو تبادل المعرفة، والتأثير والتأثر فيما بين الأفكار هو ما نسميه نحن بمفهوم «التعارف»، وهو ما بينه القرآن الكريم أنه الهدف من التنوع البشري.
قال تعالى: }يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم{، وهو تبادل الأفكار بين الفكر الإسلامي والغربي، وهو التفاعل الفكري الإيجابي المأمول حسب الضوابط الشرعية في الإسلام، فقد شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الناس رغم وحدة الخالق ووحدة الخلق أممًا وشعوبًا مختلفة، فالوحدة الإنسانية تقوم على الاختلاف والتنوع، وليس على التماثل والتطابق، ذلك أن الاختلاف أي من آيات عظمة الله، ومظهر من مظاهر روعة إبداعه في الخلق، وفي ديننا لا يوجد مانع شرعي يمنعنا من أخذ الحكمة، والتماس العلم النافع، والعمل الصالح عند غيرنا، ولو كان خصمنا، كما جاء في حديث النبي، صلى الله عليه وسلم «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها».
وتتلخص «آفاق التفاعل الفكري» في التعارف، والتحاور، وتناول المنافع والأفكار الإيجابية، والاحترام المتبادل بين أصحاب المفكرين والدعوة إلى الإسلام ورسالته السمحة، وتبرز أهم مجالاته وميادينه وسائل الإعلام العامة، والقنوات الفضائية، والإنترنت، ومجال التعليم، والثقافة، والأدب، والسياحة، والسفر.
يحدد د. شاهين شروط وضوابط التفاعل الفكري المنشود من التفاعل بين الفكر الإسلامي والغربي بأهمية الأصالة والاعتزاز بالذات، والالتزام بالأصالة العقدية، والتأكيد على دور الجذور في عملية التحديث والانفتاح، والتعاطي الموضوعي مع العصر ومتطلباته؛ لأن الانغلاق والانطواء عن منجزات الحضارة الحديثة هو بالدرجة الأولى افتقار للوجود الذاتي، وتأسيس خطاب حضاري منبثق من قيمنا وأصالتنا ينسجم والتعاطي مع الآخر الحضاري.
يطرح الدكتور السماني النصري محمد أحمد، نائب مدير مركز البحوث والدراسات السودانية بجامعة الزعيم الأزهري بالسودان، قواسم مشتركة بين الفكر الإسلامي والغربي من خلال ما أنتجه مفكرو التيار الإصلاحي من أطراف جديدة ساعدت كثيراً على التقارب بين الفكر الإسلامي المعاصر والفكر الغربي من خلال تقديم نظراتهم حول مفاهيم المساواة والعدل والمشاركة وغيرها، وظهر واضحاً أثر الفكر الغربي في تصورات المُفكرين المسلمين الذين كانوا يمعنون النظر في أسباب تقدم الغرب، ورفاهية إنسانه في مقابل تخلف المسلمين وسلب حقوق الفرد لدرجة تجعل وجوده أشبه بعدمه، كذلك مبلغ الانحطاط الأخلاقي الذي ساد مجتمعات المسلمين؛ لذلك نجد إن الانفتاح والتفاعل الذي تم بين الفكر الإسلامي والغربي قاد المسلمين إلى طرح القضايا التي لم تكن موجودة على ساحة الحوار الفكري مثل مفهوم المواطن، ومفهوم الحقوق والواجبات، ومفهوم حقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم التي ساعدت الفكر الإسلامي على التواجد على المسرح الفكري المعاصر. يحدد الدكتور عياده بن أيوب الكبيسي أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية الشريعة بجامعة الشارقة وسائل هذا التفاعل من خلال حسن المعاملة في الأخذ، والرد على أسس من التفاهم، وطرح الرأي دون تزمت، أو استعلاء، وذلك وفق ضوابط محددة، وشروط معلومة يحافظ المسلم من خلالها على اليقين الذي لا يعتريه شك مما منحه الله تعالى إياه بما أنزل من كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، غير أن تلك الشروط لا تكبله بقيود الانغلاق، ولا تجعله يغمض عينيه عما يقوله الآخرون بما ينظر إلى ذلك بكل رحابة صدر، وسعة أفق، منطلقا من مفهوم قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين * قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون).
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

