قوله عز وجل: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير»..!

إن رحلة الإسراء هذه التي جحدها المتربصون واعتز بها المحبون والأولياء المخلصون، ورأوا أنها التكريم الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بعد شدة ما وجده من قومه من أذى لنفسه وصحابته معه، وأعلنت عن مقامه بين خلق الله من الأنبياء والمرسلين، وانظر إلى ما حدث..!!

إن رسولين من أولي العزم من الرسل، سبقا النبي صلى الله عليه وسلم بلقاء ربهم، غير أن اللقاء عندهما وعند النبي صلى الله عليه وسلم ليس سواء..!! إن سيدنا إبراهيم عليه السلام قال: «إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين» فهو ذهب للقاء ربه يبثه شكواه، ويطلب منه ما يرجوه، على الأرض، ولذلك يقول رب العزة: «وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين»..!!

وسيدنا موسى عليه السلام حكى القرآن عن لقاء ربه فقال رب العزة: «وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة» وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين. قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين»..!

ومن هنا نتبين أن لقاء الرسولين الكريمين كان بطلب منهما، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان طالباً بل كان مطلوباً للقاء ربه، وفرق كبير بين أن يكون النبي طالباً للقاء، وبين أن يكون مطلوباً للقاء..!

وموسى عليه السلام ضرب له موعد بعد ثلاثين ليلة، ثم زاد الأمد إلى أربعين ليلة، ونبينا صلى الله عليه وسلم طلب وتم اللقاء ناجزاً على الفور، وفرق كبير بين الانتظار والإمهال، والتنجيز في الوقت فوراً..!

ولقاء الرسولين الكريمين كان على الأرض، بينما لقاء النبي صلى الله عليه وسلم كان على بساط النور عند قاب قوسين أو أدنى، وفرق كبير بين لقاء يتم على الأرض، في أور أو الأردن، أو على جبل الطور، وبين لقاء يتم على بساط النور عند قاب قوسين أو أدنى..!!

كانت لغة الخطاب عند موسى النداء، «وما كنت بجانب الطور إذ نادينا» وكانت لغة الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم المناجاة، ورب العزة يقول: «فأوحى إلى عبده ما أوحى» والوحي لغة الخفاء والمناجاة، لأن الخطاب كان للفؤاد، الذي لم يشغله شيء..!!

وموسى عليه السلام لم يحتمل تجلي الله للجبل فقط، فخر صعقاً، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ما اهتز منه بصر ولا بصيرة ولا فؤاد: «والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى»..!

وانظر هداك الله، كيف أن كلا الرسولين الكريمين، ذهب إلى اللقاء ماشياً، وأحضر النبي صلى الله عليه وسلم ركبا معززاً مكرماً مصحوباً بأمين السماء جبريل عليه السلام دليل الرحلة ومرشدها، وفرق كبير بين من يأتي اللقاء ماشياً، وبين من يأتيه راكباً محمولاً في صحبة الملائكة للاسترشاد والإيناس..!!

ما كان من حوار بين الأنبياء السابقين عليهم صلوات الله وسلامه، قصة رب العزة سبحانه وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك» بينما ما كان بين الله عز وجل وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم لم يطلع عليه أحد، بل ظهر أن الرسالات السابقة كانت تمهيداً لبعثته، وتوطئة لمقدمة الجيل لجميع الأمم..!

من أجل ذلك وغيره كثير نتعلم قدر نبينا صلى الله عليه وسلم عند ربه فإن قدره لا يساميه قدر ولا مقام، بل لا يتطلع إليه نبي ولا رسول ولا ملك، بعد أن يقول له أمين الوحي عند سدرة المنتهى: «تقدم يا محمد، فلو تقدمت ـ بضمير المتكلم ـ لاحترقت، ولو تقدمت ـ بضمير المخاطب ـ لاخترقت»..!

فمسكين من يعترض، ومريض الوجدان من يتأول ويفترض، وأكذب الخلق أولئك الأبواق الثلاثة، الذين زعموا أن المسجد الأقصى بالجعرانة، أي ضواحي مكة، أولهم ذلك الذي تجرأ وأذاع ذلك في الكنيست الإسرائيلي باسم العلم، وما كان له ذلك إلا توطئة لبيان رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة، ولا عزاء للمسلمين..!

وثانيهم ذلك الزكريا الذي امتلك قناة تذيع ما يريد من مطاعن وإسفاف ظناً منه أن يخدم دينه، بطعنه في الإسلام ونبيه وتاريخه، وثالثهم وأشرهم وأكذبهم ذلك الرجل الذي قدمته منظمات أميركية وكندية على أنه دكتور وأنه مفكر إسلامي، وأعطته وزارة الثقافة جائزة دولة، إرضاء لمنظمات التبشير التي تصطنع اسما إعلامياً بلا مضمون فكري أو ثقافي، والعجيب أن يعيش الكذبة ويتحدث بصفته مفكراً إسلامياً، وهو لا يعقل ولا يفهم أنه أغبى الخلق لأنه مفضوح الهوية، زعم أن الإسراء ما كان إلى الجغرانة ونقل عنه هذه الكذبة كل مريض، لا يعلن عن الحق شيئاً، أو يعلم ثم يقدم كذبه هدية لإسرائيل، بينما إسرائيل ليست بحاجة إلى تعليلات باطلة، لذبح الشعب العربي المسلم بفلسطين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

بقلم - علي عيد