أنهى الرئيس الأميركي باراك أوباما جهدا استمر نحو عام من أجل تعديل النظام المالي والمصرفي الأميركي لمنع تكرار الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة في خريف 2008 وأدت إلى أسوِأ ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير.

ويمثل توقيع أوباما على مشروع القانون بعد موافقة الكونغرس عليه في نهاية الأسبوع الماضي انتصارا سياسيا كبيرا له على الصعيد المحلي. وقال أوباما إن القانون سوف يحول دون حدوث أزمات مالية كبرى في الولايات المتحدة وينهي استخدام أموال دافعي الضرائب في إنقاذ البنوك من الانهيار وإعادة التركيز على الصعوبات التي تواجه العملاء العاديين.

استيعاب الدروس

ويهدف القانون الجديد إلى استيعاب الدروس من الأزمة المالية التي تفجرت في خريف 2008 والتي ولدت من رحم القصور في المسؤولية بدءا من بعض أركان وول ستريت وحتى قاعات السلطة في واشنطن على حد قول أوباما خلال الاحتفال بتوقيع القانون في مبنى رونالد ريغان.

ووفقا للإصلاحات فإن الحكومة ستتمتع بسلطات رقابية واسعة على صناديق التحوط الاستثمارية وأسواق المشتقات المالية إلى جانب صلاحيات جديدة لتقليص حجم الشركات المالية المتعثرة. وسيتم تشكيل مجلس للهيئات الرقابية بهدف مراقبة المخاطر التي تهدد النظام ووكالة لحماية عملاء المؤسسات المالية مع التصدي للمنتجات المالية المضللة.

وجاء توقيع أوباما على القانون بعد أكثر من عام من الجدل العنيف بين أعضاء الكونجرس الذي تابعه عن كثب الأوروبيون والدول النامية التي تضررت بشدة من انهيار سوق المال الأميركية عام 2008. وأشعل انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري الأميركي في سبتمبر 2008 أزمة مالية عالمية دفعت بالاقتصاد الأميركي إلى ركود حاد.

ويهدف القانون الجديد إلى منع البنوك الأميركية من القيام بمخاطرات كبيرة بهدف تحقيق أرباح سريعة حتى لا تتكرر الأزمة المالية التي نجمت عن الإفراط في القرارات الاستثمارية التي تنطوي على مخاطر عالية.

انتقادات عنيفة

وتعرضت السلطات المالية الأميركية لانتقادات عنيفة بسبب الفشل في رصد الأزمة قبل وقوعها. وينشئ القانون الجديد مجلسا من 9 أعضاء برئاسة وزير الخزانة تيموثي جيتنر لمراقبة أي مخاطر مستقبلية تهدد النظام ككل. وعارض أغلب الأعضاء المحافظين في الكونغرس القانون بدعوى أنه ينطوي على قيود مفرطة على القطاع المالي ككل.

في الوقت الذي يترقب فيه مجتمع المال والأعمال تداعيات القانون مع دخوله حيز التطبيق. وقال توماس دونوهو رئيس غرفة التجارة الأميركية إن قانونا بمثل هذا الاتساع هو صورة مصغرة لقانون يؤدي إلى تداعيات غير مقصودة تضفي المزيد من الغموض على مجتمع الأعمال.

انتصار محلي

ويمثل تمرير هذا القانون ثاني انتصار محلي كبير للرئيس أوباما خلال سنة واحدة بعد نجاحه في تمرير أكبر مشروع لإصلاح نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة منذ نحو 40 عاما.

ورغم ذلك فإن شعبية الرئيس الأميركي مازالت أقل من 50% في ظل الاستياء الشعبي من استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع عجز الميزانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتعطي الإصلاحات المالية الجديدة الأجهزة الرقابية مساحة واسعة للمناورة في تطبيق بنود القانون الرئيسية. وتمتلك إدارة الرئيس الأميركي بموجب الإصلاحات الحق في وضع معايير رؤوس الأموال والسيولة النقدية لدى البنوك من أجل ضمان امتلاك هذه البنوك الاحتياطيات النقدية الكافية لمواجهة أي أزمات مستقبلية. وكانت قلة الاحتياطيات النقدية لدى البنوك أحد الأسباب الرئيسية في تفاقم الأزمة المالية بعد انهيار ليمان براذرز.

التحدي الحقيقي

وربما تكون الموافقة على أكبر عملية إصلاح في وول ستريت على مدار أجيال هي الجزء السهل لكن التحدي الحقيقي يكمن في وضعه موضع التنفيذ. ويقول محللون إن من شأن القانون خلق بيروقراطية جديدة كما يمدد الإشراف الحكومي على كافة جوانب القطاع المالي. ويقول دانيال كوفمان، الخبير الاقتصادي في معهد بروكينجز:

العمل التفصيلي في تحديد وتفصيل وتفسير القواعد العريضة يترك لجهات الرقابة مساحة كبيرة من حرية العمل والتصرف لتحديد هذه التفاصيل التنظيمية وتفسيرها خلال التنفيذ.

أحكام مطلقة

وكانت الحكومة الأميركية نالت قدرا كبيرا من الحرية لإصدار أحكام أساسية على سبيل المثال ما يتعلق بمستوى الاحتياطيات النقدية التي ينبغي أن تحتفظ بها البنوك للحيلولة دون حدوث أزمة مستقبلية وما يجب القيام به مع الشركات التي تشكل تهديدا للنظام المالي الأوسع نطاقا.

ويمكن لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أن يفكك البنوك التي نمت بشكل كبير للغاية بحيث يصعب فشلها رغم أن كوفمان قال إنه من غير الواضح متى يمكن ذلك وما إذا كان البنك المركزي سيملك الشجاعة لاستخدام هذه الصلاحية.

كما سيتعين على الحكومة اتخاذ قرار بشأن توقيت ممارسة صلاحيتها الجديدة لدخول الى شركة مالية تتداعى وإدارة عملية الانهيار. وسيتم تكليف وزير الخزانة الأميركي تيموثي جيتنر بوضع معايير أعلى لاحتياطات رأس المال والسيولة وقد يستند ذلك إلى اتفاق دولي حيث كان زعماء العالم اتفقوا على وضع معايير جديدة لرأس المال بحلول نهاية العام الجاري.

وسيرأس جيتنر أيضا مجلسا جديدا لجهات الرقابة، يضم تسعة أشخاص يعنى بالكشف عن المخاطر التي تلوح في الأفق بالنسبة للنظام المالي قبل أن تخرج عن نطاق السيطرة ومن شأن الاعمال التي يقومون بها استجابة للموقف أن تحدد ما اذا كان يمكن تفادي أزمة مالية مقبلة.

وحذرت البنوك التي سعت جاهدة لتخفيف الكثير من الإصلاحات، من أنه لايزال هناك قدر كبير من الغموض رغم أن المديرين التنفيذيين تعهدوا بالعمل مع إدارة أوبامافي الوقت الذي تستخدم فيه صلاحياتهاالجديدة.

وقال إدوارد ينجلينج رئيس جمعية المصرفيين الأميركيين إن تطبيق هذا التشريع سيفرض تحديا أمام أجهزة الرقابة، مضيفا أن النتيجة ستكون أكثر من خمسة آلاف صفحة من القواعد الجديدة بشأن البنوك التقليدية وسنوات من عدم اليقين بشأن ماذا تعني القواعدالجديدة الشاملة.

الوكالات