كشف أمس رئيس الشؤون الاقتصادية ومدير العلاقات الخارجية في سلطة مركز دبي المالي الدكتور ناصر السعيدي عن تبني المركز مبادرة جيدة تهدف إلى تطوير سوق للدرجة الثانية (الاستثمارات البديلة) بما يفسح المجال أمام الشركات الصغيرة لإصدار الأسهم والسندات ضمن بيئة تنظيمية ومتطلبات إدراج أكثر مرونة.

وبما يتيح كذلك توفير رأس المال الضروري للشركات المملوكة للعائلات ولشريحة الشركات الصغيرة والمتوسطة، كما كشف عن اعتكاف مجموعة عمل جرى تشكيلها من قبل معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي منذ عام ونصف عام على وضع الخطوط التوجيهية والإرشادية لحوكمة صناديق الملكية الخاصة التي ستكون الأولى من نوعها على مستوى صناعة صناديق الملكية الخاصة في العالم.

مشيرا إلى أنه من المتوقع الإعلان عن تلك المقاييس الجديدة خلال انعقاد المؤتمر السنوي القادم للحوكمة المقرر عقده في مسقط بسلطنة عمان.

أهمية المبادرة

جاء ذلك على هامش ندوة جرى تنظيمها أمس لمناقشة التقرير الرابع «استثمارات الملكية

الخاصة ورأس المال الجريء (المخاطر) في منطقة الشرق الأوسط» الذي يصدر سنوياً عن «الجمعية الخليجية لرأس المال الجريء» بالتعاون بين كل من «كيه بي إم جي» و«زاوية داو جونز».

وتوقع التقرير انتعاش قطاع استثمارات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2010، ودلل على ذلك بنجاح مديري صناديق الملكية الخاصة في الشرق الأوسط في تجميع 25 .1 مليار دولار في الربع الأول من العام 2010، و هو ما يزيد بنسبة 18% على مجموع ما تم جمعه خلال عام 2009.

وأكد الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية ومدير العلاقات الخارجية في سلطة مركز دبي المالي أهمية المبادرة الخاصة بتأسيس سوق الدرجة الثانية بإشارته إلى أن المنطقة شهدت على مدى العقد الأخير تأسيس أعداد كبيرة من الشركات الصغيرة والمتوسطة الناجحة والتي تشكل ما يزيد على 95% من إجمالي الشركات في المنطقة، وأن هذه الشركات تتطلع إلى التمويل الذي يحقق طموحاتها في التوسع.

وفي هذا السياق، فإن وجود سوق جيدة التنظيم للدرجة الثانية، أو سوق الاستثمارات البديلة، يتيح لهذه الشركات تأمين احتياجاتها من التمويل، مما يعتبر عاملاً حاسماً لضمان النمو المستدام للشركات والأعمال.

وكشف الدكتور ناصر السعيدي عن أن المركز يجري في الوقت الحالي مشاورات واتصالات مع

الأطراف المعنية بتأسيس سوق من هذا القبيل، معربا عن أمله بأن تقوم كافة البورصات في دول المنطقة بتأسيس هذه الأسواق، بيد أنه لفت إلى أن مركز دبي المالي العالمي يعد الأكثر تأهيلا لاطلاق هذا السوق، بالنظر إلى اعتماد المركز بنية تشريعية وتنظيمية تتيح إقامة هذا السوق.

ورد الدكتور ناصر السعيدي في معرض اجابته على سؤال بشأن ما إذا كان سوق الدرجة الثانية مرتبطا ببورصة ناسداك دبي أو سوق دبي المالي بقوله: إن هذا السوق ربما يكون مرتبطا ببورصتين معا، وأعرب عن أمله بأن تقوم كافة البورصات في المنطقة بتأسيس سوق من هذا القبيل، باعتبار أنه يحقق مزايا عديدة للمستثمرين الأفراد على صعيد تنويع محافظهم الاستثمارية وجذب السيولة.

حيث ان الشروط التنظيمية لهذا السوق من حيث متطلبات الإدراج والإصدار للأسهم والسندات ستكون مختلفة عن تلك السارية في الأسواق الأولية والثانوية، وهو ما يشجع الشركات العائلية على ادراج أسهمها والتحول إلى شركات مساهمة عامة دون التقيد بشرط إدراج 50% من أسهمها في البورصة.

الملكية الخاصة

وفي نفس السياق، كشف الدكتور ناصر السعيدي عن أنه من المقرر الإعلان عن الخطوط التوجيهية والإرشادية لحوكمة شركات الملكية الخاصة خلال انعقاد المؤتمر السنوي لحوكمة بمسقط في نهاية شهر أكتوبر المقبل.

مشيرا إلى أن مجموعة العمل التي تم تشكيلها في هذا الخصوص منذ عام ونصف عام مضيا قد أجرت دراسة مسحية عن حوكمة شركات الملكية الخاصة، وأن الدراسة اشتملت على استطلاع آراء نحو 60 شركة تعمل في هذا القطاع.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن صناديق الملكية ستكون من بين المستفيدين من تأسيس سوق الدرجة الثانية، بالنظر إلى أن هذا السوق سوف يتيح لها خيارات للتخارج من خلال عمليات بيع الأسهم، مشيرا إلى أن حوكمة الشركات تلعب دوراً هاماً في صناعة استثمارات الملكية الخاصة ليس فقط بسبب الأثر الايجابي للحوكمة الرشيدة على تقييم الشركات، بل أيضاً بسبب القدرة المحدودة لصناديق الملكية .

الخاصة على بيع حصص الملكية في معظم الحالات، وبالتالي التزام هذه الصناديق بالبقاء مع الشركات على المدى المتوسط والطويل، الأمر الذي يزيد من اعتماد هذه الشركات على مبادئ الحوكمة الرشيدة. ومع ذلك، وفي ضوء الأزمة المالية الأخيرة والتي ترجع بشكل كبير إلى الفشل في تطبيق مبادئ وممارسات الحوكمة، هناك اهتمام متزايد باعتماد معايير حوكمة الشركات.

تراجع الاستثمارات

وفي هذا الإطار، أفاد التقرير الرابع (استثمارات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط) بأن استثمارات الملكية الخاصة في منطقة الشرق الأوسط شهدت انخفاضاً في العام 2009.

حيث جمع مديرو الصناديق الاستثمارية 06 .1 مليار دولار فقط مقارنة مع الأرقام القياسية التي شهدها العام 2008 والتي بلغت 4 .5 مليارات دولار، كما تراجعت استثمارات الملكية الخاصة الى 561 مليون دولار في 2009 من 72 .2 مليار دولار في العام 2008.

فقد تأثرت استثمارات الملكية الخاصة على الصعيدين الإقليمي والدولي بالبيئة الاستثمارية كنتيجة لاستمرار حالة الركود الاقتصادي التي ألقت بظلالها على قطاع الاستثمار خلال العام المنصرم.

وأشار التقرير إلى أن صناديق الملكية الخاصة في المنطقة لا تزال تتمتع بأموال كبيرة للاستثمار، حيث يٌقَدَر أنه لدى الصناديق الاستثمارية الخاصة ما بين 9 إلى 10 مليارات دولار غير مستثمرة رغم أنه من المرجح أن تعفو بعض هذه الصناديق المستثمرين فيها من التزاماتهم المستقبلية.

ونوه التقرير إلى أن استثمارات رأس المال الجريء (المخاطر) قد حظيت باهتمام كبير في العام 2009، فقد لوحظت زيادة في رؤوس الأموال والأنشطة الاستثمارية مع إغلاق سبعة تعاملات بقيمة 25 مليون دولار، وهي زيادة كبيرة بالمقارنة مع السنوات السابقة.

ويهدف التقرير الأخير للجمعية الخليجية لرأس المال الجريء الذي حظي بدعم كبير من معهد حوكمة الشركات (حوكمة) ودعم من شركة أبراج كبيتل إلى تشجيع وتحقيق المزيد من الشفافية في سوق استثمارات الملكية الخاصة في منطقة الشرق الأوسط، والنظر في العوامل المؤثرة باستثمارات الملكية الخاصة في المنطقة.

ويستمد تقرير الجمعية الخليجية لرأس المال الجريء بياناته من خدمة مراقبة استثمارات الملكية الخاصة Private Equity Monitor التي توفرها «زاوية داو جونز»، والتي تمكن الأعضاء من قياس الطلب على استثمارات الملكية الخاصة في منطقة الشرق الأوسط من خلال تقييم أداء الصناديق الاستثمارية إزاء بعضها البعض.

وبالنسبة لتقرير الجمعية الخليجية لرأس المال الجريء لهذه السنة، تم تنظيم استبيان إلكتروني في شهر مايو 2010 مع 25 من خبراء استثمارات الملكية الخاصة بمن فيهم كبار الشركاء ومديري الصناديق الاستثمارية في المنطقة.

واستطلع الاستبيان آراءهم في مستقبل استثمارات الملكية الخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث توقع 72 بالمائة تحسن البيئة الاستثمارية مقارنة مع 50 بالمائة ممن ابدوا تفاؤلا بهذه الفئة الاستثمارية في العام 2008.

توقعات النمو

وقال عماد غندور، رئيس لجنة المعلومات في «الجمعية الخليجية لرأس المال الجريء»: تتجه صناعة الملكية الخاصة الى النمو على الرغم من النتائج التي شهدها العام 2009.

ان التوقعات الخاصة باستثمارات الملكية الخاصة للعام 2010 وما بعده لا تزال تتسم بالإيجابية نظراً لعدم تغير المقومات الاقتصادية لهذه المنطقة، إذ لا تزال تشكل المنطقة احدى أبرز قصص النمو والاستقرار الاقتصادي، وهناك فرص استثمارية كبيرة أمام صناديق الملكية الخاصة خلال السنوات القليلة المقبلة.

عودة الانتعاش

ومن ناحيته، قال إحسان جواد، الرئيس التنفيذي ل«زاوية»: من المشجع جداً أن نرى عودة مستثمري الملكية الخاصة إلى مبادئ الاستثمار الأساسية وضخ الأموال اللازمة في القطاعات الاقتصادية التي لم تحظ بالاهتمام اللازم خلال سنوات الطفرة والازدهار الاقتصادي، فمن الهام جداً الاستثمار في القطاعات التي تخدم وتلبي احتياجات الناس كالرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات من أجل تحقيق الازدهار والرخاء للمنطقة.

ومن الأخبار الإيجابية الأخرى التي خلصت إليها نتائج التقرير الأدلة الملموسة على اكتساب استثمارات رأس المال الجريء للزخم المطلوب، ومن هذا المنطلق يمكنني القول ان هذا القطاع قد شهد منعطفاً هاماً خلال العام 2009.

وفي معرض تعليقه على التحسن الذي طرأ على أجواء السوق، قال فيكاس بابريوال، مدير صناديق الثروة السيادية وصناديق الملكية الخاصة لدى «كيه بي إم جي» في الإمارات:

لقد شهدنا بشكل لا يدع مجالا للشك زيادة في أنشطة السوق، فقد عمل المستثمرون خلال الربع الثاني من العام 2010 على الاستثمار بشكل كبير في عدد من القطاعات المختلفة، الأمر الذي أدى إلى تحسن كبير وسريع في العمليات الاستثمارية مقارنة مع العام 2009 الذي شهد شبه انعدام للصفقات الاستثمارية.

ويتوجب علينا الانتظار لنرى إمكانية الحفاظ على هذا التحسن، وبالنظر إلى عدد تعاملات الوسطاء القادمة إلى السوق، فمن المحتمل أن تُغذي الفرص الموجودة الإقبال المتزايد على عمليات الاستحواذ في الوقت الراهن.

عوائد حقيقية

دعا فيكاس بابريوال مدير صناديق الثروة السيادية وصناديق الملكية الخاصة لدى شركة «كيه بي إم جي» إلى تعزيز التعاون والعمل الوثيق بين شركات رأس المال الجريء، وتلك العاملة في مجال إدارة المحافظ، مشيرا إلى أن هذا التعاون سيحقق فوائدعلى صعيد خلق قيم حقيقية وتعزيز أسواق الدين التي مازال يخيم عليها أجواء عدم اليقين.

ولفت فيكاس إلى تعرض شركات الملكية الخاصة في العالم إلى انتقادات تدعوها إلى التركيز على العوائد المالية الحقيقية، مشيرا إلى أن المستثمرين مازالوا مرتبكين بشأن الخطوات التي اتخذتها شركات الملكية الخاصة لمعالجة التحديات التي تواجهها.

ودعا فيكاس إلى ضرورة أن تدرج شركات رأسمال الجريء معايير إدارة المخاطر ضمن نماذج أعمالها مشيرا إلى أن المستثمرين صاروا أكثر اهتماما بمجريات العمليات الاستثمارية لهذه الشركات.

مشيرا إلى أن المستثمرين بشعرون بأنه بمقدورهم صنع قرارات تستند إلى معلومات، فيما تفتقر شركات رأسمال المغامر إلى هذه القدرة، وأنهم يشعرون كذلك بالتبرم من أداء مديري الصناديق بسبب الخسائر الضخمة الناجمة عن الأفراط في الاقتراض .

الأسواق الصاعدة

توقع الدكتور ناصر السعيدي رئيس الدائرة الاقتصادية بسلطة مركز دبي المالي ان ينتقل مركز ثقل صناعة استثمارات الملكية الخاصة من الأسواق المتقدمة إلى الأسواق الصاعدة، بالنظر إلى أن هناك آفاقا جيدة لازدهار هذه الصناعة في كل من البرازيل والهند والصين ومنطقة الشرق الأوسط، مشيرا إلى انتهاء العصر الذهبي لقطاع الملكية الخاصة في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.

ولفت الدكتور ناصر السعيدي إلى أن التحدي الرئيسي الماثل أمام مستثمري الملكية الخاصة يكمن في غياب الحوكمة الجيدة للشركات وضعف معايير الإفصاح والشفافية، مشيرا إلى أن هناك تحديات أخرى تتعلق بوجود ثغرات في أطر العمل القانونية الخاصة بالإعسار التي تسمح بإعادة الهيكلة والتنظيم.

ونوة الدكتور ناصر السعيدي إلى أن شركات الملكية الخاصة في الشرق الأوسط مازالت فتية، حيث لا يتجاوز عمرها الزمني 5 سنوات، وأكد أن الكثير من المستثمرين المؤسساتيين باتوا يركزون أكثر من أي وقت مضى على مبادئ حوكمة الشركات وأن الاستثمار المستدام يؤثر واقعيا في أداء الشركات في الأجل الطويل.

دبي - مجدي عبيد