أشارت تقارير إلى أن بريتش بتروليوم التي بنت مملكتها الاقتصادية من مناطق عديدة تفكر جلياً في التخلص من معظم أصولها الأميركية. وأعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون انه سيناقش مسألة شركة بي بي البريطانية مع الرئيس الأميركي باراك اوباما خلال الاسبوع الحالي وسيشدد على مدى اهمية ان تكون الشركة قوية ومستقرة بالنسبة للبلدين.
ضربة قوية
وتعرض سعر سهم بي بي لضربة هذا العام بعد التسرب النفطي الذي حدث في خليج المكسيك بالولايات المتحدة وتعرض كاميرون لاتهامات بعدم بذل ما يكفي للدفاع عن الشركة. وآثار هبوط سعر سهم بي بي قلقا في بريطانيا لان صناديق المعاشات لها استثمارات كبيرة في اسهم الشركة.
ووافقت الشركة التي وصفها كاميرون بأنها مهمة للغاية في الولايات المتحدة على دفع تعويضات لمن تضرروا نتيجة التسرب النفطي في خليج المكسيك. وقال كاميرون امام جمهور في وسط انجلترا: من المهم في نهاية هذه العملية ان يكون لديك شركة قوية ومستقرة تكون قادرة على البقاء ليس على الاقل حتى تستطيع دفع التعويض الذي يريده الأميركيون ولكن ايضا حتى تستطيع الاستمرار والنجاح كشركة بريطانية عظيمة.
واضاف انه عقد اجتماعا مع رئيس بي بي كارل هنريك سفانبيرج للاطلاع على احدث الجهود لوقف التسرب بشكل كامل في خليج المكسيك وبشأن قضية التعويض قبل زيارته لواشنطن.
تاريخ حافل
وأطلقت مجموعة بريتش بتروليوم البريطانية التي بدأت ترى النور في نهاية النفق في كارثة البقعة النفطية في خليج المكسيك انشطتها في مناطق عدة من العالم لكنها اشتهرت خصوصا في الولايات المتحدة في العقد الحالي واصبح اسمها مرتبطا باسوأ كارثة بيئية.
وبدأ تاريخ مجموعة بي بي في 1901 في إيران عندما انفق رجل الاعمال البريطاني وليام دارسي اموالا طائلة في مشروع استلزم تطبيقه سبع سنوات لاكتشاف اول بئر نفطية في 26 مايو 1908. ومغامرة انغلو برشن التي اصبحت انغلو ايرانيان في 1935 ثم بريتش بتروليوم في 1954 ملازمة لتاريخ التكنولوجيا والقضايا الجيوسياسية في القرن العشرين.
وسويت مشاكل هذه الشركة التي كانت تنتج كميات كبيرة من النفط قبل 1914 من دون ان تجد جهات تبيعها لها بفضل اهتمام شخصية جديدة على الساحة السياسية البريطانية وينستون تشرتشل اذ ان الاخير كان يؤمن بالطاقة النفطية واقنع الحكومة بشراء اسهم في الشركة.
ومطلع الستينات كانت الصناعة النفطية لا تزال تخطو خطواتها الاولى. لكن بريتش بتروليوم تستفيد من اكتشافات في منطقتين جديدتين غنيتين هما بحر الشمال والاسكا في 1968. وتأثرت الشركة كما منافساتها نتيجة خطوة اتخذتها حكومات الشرق الاوسط التي قامت معظمها اعتبارا من 1971 بتأميم انشطتها النفطية.
محاذير التلوث
واعتبارا من 1997 كان لورد براون اول من حذر من التلوث في عالم الصناعة النفطية. وفي السنة نفسها قال في خطاب: اننا جميعا مواطنون في العالم نفسه وعلينا تحمل مسؤولية مستقبلنا. ودعا براون الى توازن بين حاجات التنمية وضرورة حماية البيئة. واصبحت بي بي في اوج الابحاث حول الطاقات البديلة.
لكن الشكوك التي اعرب عنها عدد من المحللين في الوتيرة السريعة لهذه المكتسبات على حساب السلامة، اصبحت واقعا في 2005 عندما انفجرت مصفاة في تكساس تستثمرها بي بي ما اوقع 15 قتيلا ثم التسرب في 2006 في انبوب لنقل النفط في الاسكا الذي سبب تلوثا في هذه المنطقة المحمية. وهذه الحوادث تفسر اليوم غضب سكان خليج المكسيك من شركة بي بي.
وقبل الكارثة كانت بي بي حققت ارباحا بقيمة 6 .16 مليار دولار في 2009 لرقم اعمال قدره 246 مليار دولار. وكان انتاج الشركة اربعة ملايين برميل نفط يوميا. وكانت بي بي تفوقت على منافستها شركة شل البريطانية الهولندية لجهة الاسهم في البورصة. واليوم وبعد ان استعادت 40% من قيمة اسهمها التي تراجعت في نهاية يونيو لم تعد تساوي الا 70% من قيمة اسهم شل.
جدلية الغطاء
وبدا الغطاء الموضوع على البئر النفطية المعطوبة التابعة لشركة بي.بي في خليج المكسيك متماسكا أول من أمس الجمعة لكن مسؤولين شددوا مراقبتهم له بعدما اظهر اختبار جاد ان الضغط يزيد لكن بوتيرة ابطأ مما كانوا يتوقعون.
وبدأت بي.بي اختبارات الضغط على البئر بعد وقف التسرب منه يوم الخميس الماضي للمرة الاولى منذ انفجار حفار في 20 ابريل ادى الى التسرب. وقامت اجهزة الروبوت الموجودة تحت الماء بمسح لقاع البحر بحثا عن علامات على ان البئر قد دمرت او تصدعت.
وقال كينت ويلز النائب الاول لرئيس بي.بي للاستكشاف والانتاج: لا نشاهد اثارا سلبية لاي كسر. واظهرت الاختبارات التي بدأت بعد ظهر الخميس ومن المتوقع ان تستمر 48 ساعة ان الغطاء يرفع الضغط في البئر مما يعني انه قوي بدرجة تكفي لاحتواء النفط دون تسرب.
وقال الاميرال المتقاعد بخفر السواحل ثاد الين ان بي.بي تلقت تعليمات بان تعزز مراقبتها لاي تصدع في قاع البحر وان تجمع بيانات زلزالية اضافية لرصد اي جيوب نفطية في طبقات الصخر والرواسب حول البئر.
مخاوف متواصلة
وأبدى الرئيس الأميركي باراك اوباما حذرا كبيراً تجاه التطورات الأخيرة وقال: لن نعتبر أن ذلك حدث حتى نعلم فعلا أننا أوقفنا تدفق النفط الى البئر المعطوبة وأوجدنا حلا دائما. نحن نتحرك في ذلك الاتجاه لكني لا أرغب أن نستبق الامر بشكل اكثر مما ينبغي.
وأضاف أنه يعتزم القيام بخامس زيارة له الى منطقة الخليج في غضون الاسابيع القليلة المقبلة. وفي وقت سابق قال ابواما انه يتعين القيام بمزيد من العمل قبل اعتبار ان مشكلة البئر قد حلت. وقال اوباما في البيت الابيض: لن يهدأ لنا بال حتى نعلم بالفعل أننا أوقفنا تسرب النفط من البئر وأوجدنا حلا دائما.
ويتعرض الرئيس الأميركي للهجوم من اجل الضغط على بي.بي كي توقف التسرب نهائيا وان تزيل الاضرار البيئية والاقتصادية التي تعرضت لها خمس ولايات أميركية على خليج المكسيك. وكبد التسرب صناعات الصيد والسياحة والحفر خسائر تقدر بمليارات الدولارات. وضخ التسرب النفطي الاسوأ في التاريخ الأميركي ملايين من براميل النفط في خليج المكسيك.
سفينة الحوت التايوانية تفشل في عملية التطهير
رفضت الحكومة الأميركية اشتراك السفينة التايوانية العملاقة ايه وايل أي الحوت في جهود تطهير خليج المكسيك، قائلة إنها استعادت كمية لا تذكر من نفط شركة بريتيش بتروليم خلال الاختبار. وكانت شركة تايوان مارين ترانسبورت التي تملك السفينة قد حولتها قبل أسابيع من ناقلة عملاقة إلى سفينة تطهير في محاولة للمساعدة في تنظيف بقعة النفط الهائلة.
إلا أن بول ذوكونفت الأدميرال بخفر السواحل الأميركي المسئول عن تنسيق العمل بموقع التسرب أشاد ببراعة فريق شركة تايوان مارين ترانسبورت لجهودهم من أجل تشغيل هذا النظام المبتكر في ظل هذه الظروف الاستثنائية. وقال ذوكونفت في بيان إن ايه وايل ليست مناسبة تماما لاحتياجات هذا التعامل.
وقال خبراء البحرية وخفر السواحل في تقرير ، بعد فترة اختبار استمرت 24 ساعة إن السائل الذي تم كشطه بواسطة السفينة ايه وايل كان يحتوي على كمية محدودة جدا من النفط .
خسائر فادحة
وتعرب الفرق الموجودة في المنطقة عن مخاوفها من احتمال ان يتسبب الضغط الناجم عن سد فتحة البئر باحداث شقوق والتسرب مجددا في المحيط. وتعمل بريتش بتروليوم على التحقق من الوضع من خلال قياس الضغط وعدم وجود تسرب من الغطاء. وقالت الشركة: حتى الان النتائج مشجعة.
واوضح نائب رئيس المجموعة البريطانية كنت ولز: لدينا روبوتان يعملان على فحص الاعماق حول البئر ولم نسجل اي تسرب. واكد انه من المبكر استخلاص النتائج وانه ينبغي الانتظار الى حين الانتهاء من اختبار المقاومة. وفي حال كانت النتيجة حاسمة، يمكن عندها بدء تشغيل القمع.
واظهرت صور فيديو مباشرة الماء حول البئر صافية وهو مشهد يتعارض تماما مع الخليط الاسود والبرتقالي للنفط والغاز والماء الذي كان لا يزال يتسرب قبل بضعة ايام. وقال نادي سييرا كلاب وهو اقدم منظمة أميركية للدفاع عن البيئة: انه امر يدعو الى الارتياح ان يتوقف اخيرا تدفق النفط.
واضافت المنظمة: علينا الان ان نهتم بالمشكلات الناجمة عن البقعة النفطية، داعية اوباما الى ابقاء الضغوط على القطاع النفطي.
ولكن ردود الفعل القاسية لسكان المنطقة المصابة بالتلوث تذكر بجسامة العمل المتبقي لازالة النفط العالق بشواطيء خمس ولايات اميركية على خليج المكسيك والذي يهدد الانظمة البيئة والاقتصاد فيها. وقالت كندرا ارنسن وهي زوجة صياد للربيان لصحيفة نيويورك تايمز: هل هناك من سبب لكي نفرح؟ لقد دمروا حياتي: دمروا وكل ما اعرفه كل ما احبه.
وفي الجانب الاقتصادي أكد مقال نشرته فايننشل تايمز: بي بي تستعد لبيع قسم كبير من اسهمها قد يصل الى عشرين مليار دولار لتغطية تكاليف الكارثة التي كلفتها حتى الآن ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار.
وقالت بي بي انها دفعت 200 مليون دولار تعويضات للشركات والافراد المتضررين. وانها قامت خلال الاسابيع العشرة الاخيرة بتسوية 32 ملف للتعويضات ولا يزال امامها 61 ملفا.
الوكالات
