استثمرت حكومات دول الخليج في السنوات الأخيرة بشكل كبير لتحديث الطرق التي تقدم بها الخدمات الحكومية لمواطنيها. وبغية تنفيذ مبادرات كهذه على نحو ناجح اتخذت هذه الحكومات خطوات لتحسين بناها التحتية الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات كون هذه الأخيرة تعتبر عنصرا حيويا للاقتصاديات المبنية على المعرفة وللنمو المستدام.

بل ان بعض حكومات المنطقة ذهبت أبعد من ذلك ووضعت بنجاح ملحوظ برامج تعاونية واسعة للتحول إلى نموذج الحكومة الإلكترونية. غير أن حكومات دول الخليج لاتزال تواجه تحديات أساسية في سعيها إلى تبني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتفعيلها مع العلم أن المشكلة تكمن في نقص موارد التمكين وفي البنية التحتية غير الملائمة وأحيانا في التمويل العابر والأخطاء غير المتعمدة وفق دراسة جديدة ل«بوز أند كومباني».

البيئة والجهوزية والاستخدام

وضعت بوز أند كومباني إطار عمل شاملا يفصل الأبعاد الأساسية التي تنبغي معالجتها من أجل تحقيق تغيير دائم في القطاع العام من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويتشكل هذا الإطار من ثلاثة أبعاد: البيئة والجهوزية والاستخدام.

ويشمل بعد البيئة الجو المساعد الذي توفره البيئة الناظمة وبيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتقديم خدمات الحكومة الإلكترونية. أما بعد الجهوزية فيركز على قدرة الحكومات على الاستفادة من الفرص التي يتيحها برنامج حكومة إلكترونية خصوصا من حيث الموارد أو المنصات المشتركة. وأما بعد الاستخدام فيتعلق بتحديد أي الخدمات الحكومية ستقدم.

وتشكل هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعةً ما يمكن اختصاره بالإنكليزية ب«زص». يقول رامز شحادة الشريك في بوز أند كومباني: ينبغي لبرنامج عمل متين خاص بحكومة إلكترونية أن يغطي بشكل ملائم الأبعاد الثلاثة عبر تحديد الخدمات التي تريد الحكومة أن تقدمها بغية دفع التحسينات في عاملي البيئة الداعمة والجهوزية.

ولأن تلك الخدمات هي عموما محددة أو معروفة فإن معظم المشاريع الحكومية للتغيير التكنولوجي تعطي الأولوية لبعدَي البيئة والجهوزية اللذين يعتبران أساسيين في تحسين الوصول إلى الخدمات الحكومية وكلفتها وفعاليتها وملاءمتها وتصميمها.

إرساء القيادة السياسية

تتفهم حكومات دول الخليج أكثر فأكثر إمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال تقديم الخدمات بفاعلية اكبر. وهنا يقول ريمون خوري المدير في بوز أند كومباني: في السنوات الخمس الماضية أنشأت الغالبية العظمى من الحكومات أجهزة مركزية متخصصة للإشراف على الاستثمارات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عبر وكالات حكومية متعددة.

وتحتاج هذه الرعاية السياسية الرفيعة المستوى الجوهرية لنجاح أي برنامج لتحديث تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى مزيد من التطوير. ويجب أن تدعم الأجهزة المركزية المعنية بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات صلاحيات واضحة متوافقة مع تطلعات البلاد ورؤاها يساندها نصير معلن بوضوح.

ويجب تمكين هذه الأجهزة من حل أي إشكالات أو نزاعات قد تنشأ ووضع برنامج عمل تتشاطره مختلف الوكالات الحكومية. ويجب التصريح لها أيضاً بتأمين الموارد البشرية والمالية اللازمة لدعم المبادرات المختلفة التي تكلف بتنفيذها.

تمتين البيئة الناظمة

أنشأت دول عدة في الخليج قاعدة أساسية قانونية وتنظيمية لتسهيل اعتماد تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في القطاعين الخاص والعام. والمجال الذي يحتاج إلى جهد تنظيمي هو الاستخدام الناقص للتشفير وغيره من الآليات الأمنية المتقدمة الضرورية لكسب ثقة الجمهور في مجال الخدمات المرتكزة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وفيما تسير الحكومات في اتجاه المعاملات القائمة على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات يجب أن يكون المستخدمون واثقين من أن معاملاتهم قانونية وأن المعلومات الحساسة الخاصة بهم لن تكون عرضة للخطر أو للاستيلاء عليها.

يقول جاد بيطار المدير في بوز أند كومباني: تحتاج الوكالات الحكومية أيضا إلى مبادئ توجيهية واضحة ومعايير لتمكينها من التعاون وتبادل المعلومات في بيئة شبكية آمنة. وفي غياب تنظيمات كهذه لن تتشجع الوكالات الحكومية على التعاون في داخلها ولا على تبادل المعلومات مع وكالات أخرى.

وبالإضافة إلى ذلك يؤدي عدم وجود إطار تنظيمي واضح لإرساء السرية وحقوق الحصول على معلومات إلى انخفاض الاعتماد على أجهزة الكمبيوتر والإنترنت عن المعدلات القائمة في البلدان المتقدمة.

تشجيع التعاون الحكومي

يعتبر تعزيز ثقافة التعاون بين الوكالات الحكومية جزءا حيويا من استراتيجية حكومية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويمكن أن يكون للتنظيمات والسياسات التنفيذية الخاصة بتبادل المعلومات داخل الحكومة تأثير كبير في طريقة تعاون الوكالات الحكومية وتلبيتها بشكل جماعي الخدمات للناس.

ويمكن للحكومات أيضا أن تعزز التعاون المثمر والثقة بين مسؤولي أقسام تكنولوجيا المعلومات ومسؤولي الخدمة العامة عموماً عبر منتديات للتبادل المنتظم على غرار مجلس مديري المعلوماتية والجماعات الممارِسة للمهن المختلفة وعبر جهود التدريب والتواصل المتكررة. وعندما تتحقق الثقة يمكن للمسؤولين العمل على ضمان توافق الأهداف والاستراتيجيات عبر الوكالات الحكومية.

ويمكن لتوحيد الأدوات والعمليات الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن يدعم بدوره التعاون المثمر. وتشمل العمليات المألوفة التي يمكن توحيدها عبر الوكالات: مقاييس الأداء وأنظمته وآليات وضع الموازنة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وحتى البنية التحتية المألوفة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل الشبكات العالية السرعة ومراكز البيانات ومراكز الاتصال.

يلاحظ شحادة: «تطوير الأطر الحكومية القابلة للتشغيل المتبادل ونشرها يجعلان توحيد منصات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتبادل البيانات أسهل وذلك داخل الوكالات الحكومية وبينها بعضها البعض وكذلك بين الحكومة والشركات».

العنصر البشري

للمنافسة على المستوى العالمي على حكومات دول الخليج أن تحسن نوعية وفعالية خدماتها في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويجب على الوكالات الحكومية بادئ ذي بدء أن توثق بوضوح حاجاتها في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتحدد المهارات والخبرات الضرورية لدعم مهمات التخطيط والإدارة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وينبغي على الوكالات الحكومية بعد ذلك أن تضع هيكل تعويضات مالية للنجاح في جذب الأفراد الموهوبين الذين يملكون المهارات والخبرات المطلوبة والاحتفاظ بهم. وعلى الوكالات الحكومية أخيرا أن تضع برامج تدريب منظمة وفق إطار عمل شامل خاص بالكفاءة. ويجب أن يحدد هذا الإطار مجال المعرفة والقدرات والخبرات التقنية المطلوبة لشَغل أدوار معينة.

خاتمة

على مديري المعلوماتية وقادة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الآخرين إعادة توجيه جهودهم للتصدي للتحديات المذكورة أعلاه ووضع استراتيجيات تركز على دعم عاملَي البيئة والجهوزية ووضع خطط عمل شاملة لتعزيز بيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتحسين قدراتهم الداخلية.

وهذا سيجعلهم شركاء استراتيجيين حيويين في عملية التغيير الشامل وتكون مشاركاتهم حاسمة في أي جهود تحديث في المستقبل.

تعزيز الحوكمة

أقسام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في حاجة إلى أن تصبح أكثر مشاركة في عملية وضع استراتيجية الوكالة الحكومية المعنية.

يقول الشريك الرئيسي في «يوز آند كومباني» رامز شحادة: من دون التعاون بين قسم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأقسام الأخرى يتراجع الأول إلى دور رد الفعل ويضطر للرد على المشاكل التي نشأت بالفعل بدل أن يتمكن من الاضطلاع بدور استباقي لمنع مشاكل كهذه من الحصول في المقام الأول.

داخليا ينبغي للكيانات المعنية بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن تركز على تحسين كفاءة العمليات ومكوناتها التكنولوجية الأساسية وفعاليتها. وهذا يتطلب إنشاء مؤشرات أداء رئيسية وإضفاء طابع رسمي عليها إلى جانب آليات رصد لتخفيف مشاكل الأداء الصعبة.

وينبغي أن تكون هيكليات الحوكمة الفعالة موجهة لتسهيل التواصل بين الوكالات الحكومية وأقسامها المعنية بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

دبي ـ «البيان»