يعمل الإنسان في هذه الحياة دون كلل بغية توفير حياة كريمة له ولأولاده، وهذا شيء طيب! لكن هل الحياة هي كد وعمل من أجل لقمة العيش فقط؟ والسؤال هنا أين دور العبادة بجانب السعي على الرزق؟
قال تعالى «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين».
قد يقول قائل: إذا كان الله ضمن رزقي فلماذا العمل؟ صحيح الرزق ضمنه المولى عز وجل لكن لا بد من العمل، فهذه السيدة مريم عليها السلام كان كل شيء متوفرا عندها لكن الحق سبحانه وتعالى قال لها «وهزي إليك بجذع النخلة» أي لا بد من العمل.
وهز النخلة كي يسقط عليها الرطب تأكل منه والإنسان لو ترك السعى على الرزق من أجل حياة طيبة وتفرغ للعبادة فقط لكان مقصرا في حق نفسه وحق من يعول لكن عليه وهو يعمل ألا يغفل عن العبادة التي من أجلها خلق، والمهم أن يلتزم التقوى في عمله فيخلص فيه ويراقب ربه في كل تحركه.
علينا ألا تشغلنا الحياة الدنيا وتأخذنا وننسى كل شيء حتى أولادنا كي يكون عندي مليون أو مليونان أو أكثر فينبغي للمؤمن أن يعمل للآخرة ولا ينشغل بالدنيا إلا مقدار ما لا بد له منها من غير أن يتعلق قلبه بها.
هناك أصناف من الناس شغلتهم الدنيا لأنهم ينظرون إلى ما فوقهم نظرة حسد الأمر الذي يجعلهم يرتكبون أشياء قد تبعدهم عن الأخلاق الحسنة، فقط نجده ينافق أو يؤذي زميله من خلال الوشاية به عند رئيسه من أجل غرض دنيوي زائل، ولو اتقى كل واحد ربه لرضي بما قسمه الله له وعمل على الحصول عليه بكرامة وضمير حي ويد نظيفة الأمر الذي ينفعه في آخرته.
روي عن سيدنا عيسى عليه السلام أنه قال: عجبا لكم تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها بغير عمل، روى أبو عبيدة الأسدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «من أشرب قلبه حب الدنيا التاط قلبه منها بثلاث: شغل لا ينفعك عناؤه وأمل لا يبلغ منتهاه، وحرص لا يدرك عنه».
فالدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة حتى يأتيه الموت فيأخذه بغتة.
فالموفق هو الإنسان الذي يعمل للآخرة وهو يعمل للدنيا لأن الآخرة هي دار القرار ودار النعيم.
قد يقول قائل: إنك تريد منا أن نعيش في الدنيا كأموات لا نستمتع بها ويكون همنا الآخرة، أنا لا أقصد هذا المعنى إنما أقصد أن يستمتع الإنسان بالحياة بالحلال والإخلاص في العمل الذي ينفع في الدنيا وفي الآخرة، وكلما كان الإنسان قريبا من مولاه في كل حركاته وسكناته شعر بلذة الحياة ولا ينسى نهايته الأمر الذي يدفعه إلى المحافظة على العبادات والأخلاق التي توصله إلى مرضاة ربه، وإذا رضي عنه مولاه سعد في الدنيا والآخرة.
قال حكيم: أربعة طلبناها فأخطأنا طرقها: طلبنا الغنى في المال، فإذا هو في القناعة، وطلبنا الراحة في الكثرة فإذا هي في القلة، وطلبنا الكرامة في الخلق فإذا هي في التقوى، وطلبنا النعمة في الطعام واللباس فإذا هي في الستر والإسلام، يعني فيما يستر الله من العيوب والذنوب والمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه يقول «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه».
قال لقمان الحكيم «الدنيا بحر عريض، قد هلك فيه الأولون والآخرون، فإن استطعت فاجعل سفينتك تقوى الله، وعدتك التوكل على الله، وزادك العمل الصالح، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك».
وقال حكيم «الدنيا أمل بين يديك، وأجل مطل عليك، ومغانم تدعوك فتستجيب، وأحلام ترجوك فتخيب». وقيل «إذا أقبلت الدنيا على امرئ أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت سلبته محاسن نفسه».
نسأل الله السلامة والعافية.
حامد واكد