قوله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير».

وقال أعداء السنة، وهم في الأصل أعداء القرآن، وإن سموا أنفسهم «قرآنيين»، لأنهم برفض السنة، رفضوا البيان الذي هو وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذوا مقامه ومكانه في بيان القرآن، والقرآن حمال أوجه، ومن أجل ذلك فأي تفسير يعطونه للقرآن هو مبني على الأهواء والآراء المظلمة الخالية من نور الهداية، ليلحقوا بركب البهائيين الذي انتهى الأمر بسيدهم إلى ادعاء النبوة ثم الألوهية قبل ان يهلك ويدفن في أرض فلسطين في حفاوة يهودية فائقة..!

قالوا: إن المعراج لا يصدق ولا يثبت، أن يعرج جرم مادي فيخترق السماوات أو فوق السماوات، وهؤلاء يثبتون حمقهم وجهلهم، لأن القرآن أثبت أن اجتياز السماوات وارد وليس مستحيلاً فقط إذا امتلك الإنسان سببه، وذلك من قوله تعالى «يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ان تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. يرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. فبأي آلاء ربكما تكذبان»..!

فأثبت رب العزة أن الجن والإنس إذا تفضل رب العزة وأعطاهما سلطان الحركة الكونية ليتنقلا بين السماوات العلا، فليس الجن والإنس بأقدر على ذلك ما لم يكن العون الإلهي في صحبتهما..!

وأثبت القرآن كذلك وبجلاء، أن الجن الذي خلق قبل الإنسان ليسكن في الأرض، كان مهيئاً ومعداً لكي يجوس في السماوات العلا، ويسمع صريف أقلام الكتبة، فيتسمع أخبار الأحداث، ثم ينزل يخبرها صديقه الكاهن في الأرض، والذي يخبر بها من يستفتيه، ويسأله عن أمور غيبية لا يعرفها أحد، والكاهن الماهر هو الذي يخبره شيطانه بأمور مهمة تتحقق فعلاً.

ومن هنا يرتفع شأنه بين الناس «وأنه كان رجالاً من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً. وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً. وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصدا. وأنا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا»..!

يعني قبل البعثة المحمدية كان بعض الجن يقعد لنفسه مقعداً في السماوات يستمع فيها أو يتسمع الأخبار فيأخذ الكلمة التي يسمعها فيضع عليها مئة كذبة، ويهبط بها إلى الكاهن، فلما جاءت البعثة، امتنع عليهم ذلك وحجبوا عن اختراق السماوات، وهذا معناه ان الحق تبارك وتعالى هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، ولله في خلقه شؤون..!!

وكذلك الملائكة خلقوا مهيئين للحياة في السماوات، غير أنهم ينزلون بأمر الله إلى الأرض، وهي ليست مهيأة للنزول على الأرض ومخاطبة أحيائها، حتى جبريل عليه السلام، والذي هو رسول الله إلى أوليائه ورسله، فإذا نزل فإنما ينزل بأمر الله وإذنه، وإذا غادر الأرض فبإذن الله وأمره: «رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق». «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم»..!

ولذلك فحينما ذهب المشركون إلى أبي بكر بعد أن قص النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أنباء رحلته القدسية، يعرضون عليه ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، ظناً منهم أنه سيسارع إلى التكذيب ومتاركته، لكنه قال لهم: «إن كان قال فقد صدق» فسمي بالصديق، أي الذي يصدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عن ربه، فقال: «إنا نصدقه فيما يقول إذ يأتيه الوحي في ساعة من ليل أو نهار، أفلا نصدقه في ذلك؟!»..

فهل لو كانت الرحلة بالروح دون الجسد كان هناك اعتراض؟ أولو كانت الرحلة مناماً كانت بحاجة إلى مثل ما وجهت به من عنت وتكذيب وتمحل؟!

إن الرحلة معجزة خارجة عن مقاييس البشر، وعن حسابات البشر، لأن مجريها هو خالق البشر بقدرته ومشيئته، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

بقلم ـ علي عيد