تُعد المخدرات من أخطر المشاكل التي تواجه المجتمعات الإسلامية؛ لتأثيرها السلبي في الفرد والجماعة، وما يترتب عليها من تبعات خطيرة تؤدي إلى إفساد وتحطم مجتمع بأكمله؛ فضلاً عن كونها السبب الرئيسي في انتشار معدلات الجريمة.. علماء الدين أرجعوا تفشي الظاهرة إلى تقصير بعض الدعاة، الذين وجهوا مجال الدعوة إلى أهوال القيامة والبعث والحساب والحشر، متجاهلين الواقع الذي يعيشه المسلمون...وطالبوا بضرورة أن تكون هناك رؤية دينية للتصدي للظاهرة، وعدم اقتصار معالجتها على رجال الأمن.. تفاصيل أكثر عبر السطور التالية.

«إن المجتمع بكل فئاته يجب أن يتصدى لآفة المخدرات الفتاكة التي تقضي على صحة وعقل شبابه، وتجعله لا يستطيع التحكم في تصرفاته؛ فلا يعقل ماذا يفعل؟. هذا على النطاق الخاص به، أما على نطاق الأسرة والمجتمع الذي يعيش فيه فتؤدي إلى الدمار الذي يفوق دمار الحروب».. هذا ما يؤكد عليه الدكتور عبدالمعطي بيومي، عضو مجمع البحوث الإسلامية.. مضيفاً: «ولنزع هذه العادة السيئة من مجتمعاتنا لا بد أن نقتضي بقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)، بالإضافة إلى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، حيث يجب على كل مسلم ألا يفعل الشيء الذي يضر به أو يضر بمن حوله؛ وذلك لأن هذه الآفة الخبيثة إذا دخلت مجتمعنا فسوف تهدم كل القيم التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا؛ وبالتالي تنزعها من جذورها».

وأرجع بيومي السبب الأول في انتشار المخدرات بهذا الشكل إلى انعدام التربية السليمة، وعدم زرع الوازع الديني داخل الفرد المسلم منذ نعومة أظافره.. موضحاً أن الطفل كالصفحة البيضاء ترسم فيه الأسرة ما تشاء؛ فإذا كانت تربيته منذ البداية مبنية على أسس ومبادئ الدين الإسلامي فالنتيجة إنسان صالح، وإذا وجد الطفل والده مدخنًا أو والدته أو معلمه؛ فإنه يفتقد القدوة الحسنة، في حين إذا كان الأب ذا أخلاق، وبعيداً عن الرذائل تكون النتيجة طفلاً صالحًا؛ لذلك يجب على الأسرة الحفاظ على كل ما استرعاهم الله فيه؛ لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

أوقات الفراغ

يلتقط الداعية الإسلامي د. عبدالصبور شاهين، طرف الحديث معلقا على رأي د. بيومي، قائلاً: «ليست التربية وحدها هي المسؤولة عن تقويم السلوك للأبناء، لكن فراغ الشباب قد يكون أخطر من التربية ذاتها».. مضيفًا: «إن الوقت هو حياة الإنسان، فلا بد من استغلاله فيما يعود عليه بالنفع؛ فكم من أناس يقضون أوقاتهم في غير فائدة، والفراغ في الوقت نفسه «مفسدة» للمرء، إن لم يوجه في الخير فإنه يسبب مشاكل كثيرة؛ لذا لا بد أن يملأ الشباب وقته فيما يفيده».

يرد شاهين على من يعتبرون الحشيش والهيروين والأفيون والماكستون ليس مخدراً، ولم يرد نص شرعي بتحريمها، مؤكدا أنها من المخدرات التي تُذهب العقل، وهي محرمة بلا خلاف؛ لأنها تدخل تحت مُسمى «الخمر»، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «الخمر ما خامر العقل»، حيث تؤثر هذه الأشياء في حكم العقل؛ فيخلط ويخبط، ويتصور البعيد قريباً، والقريب بعيداً، ومن ثم تقع الكثير من حوادث السير، واغتصاب المحرمات، وغير المحرمات، والسقوط في بئر الرذيلة..

اتهم شاهين بعض الدعاة بأنهم تخلوا عن واجباتهم الحقيقية في الدعوة الإسلامية، موجهين الخطاب الديني إلى الحديث عن أهوال القبر والبعث والحساب، متجاهلين القضايا التي تقتحم الوطن، وتدمر صحة وعقول شبابه بالمخدرات والأفكار الملوثة التي قضت على مستقبل الأمة العربية والإسلامية؛ بالرغم من أن الجميع على يقين من أن التدين هو الطريق الوحيد للقضاء على مشاكلنا كافة؛ إلا أن الطريق أصبح وعراً للغاية بسبب غياب القدوة الحسنة.

العقل والمُسكرات

أما الدكتور عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن، فيؤكد أن الإسلام حافظ على العقل باعتباره وسيلة التكليف، ونهى في الوقت نفسه عن كل ما يصاحبه بالضمور في التفاعل مع المستجدات والقضايا؛ لذلك جعل الفقهاء المحافظة على العقل البشري من أهم الكليات الخمس التي حددها الشرع، وقدمها على التكاليف كافة، فعن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: قال رسول، الله صلى الله عليه وسلم: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع شبابه فيما أفناه، وعمره فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به».

أرجع إدريس انصياع الشباب للمخدرات إلى تنامي المشكلات الداخلية لديهم بسبب تفشي البطالة.. لافتا في الوقت ذاته إلى أن الجهات المعادية للإسلام صاحبة اليد في انتشار مثل هذه المواد المخدرة في مجتمعاتنا العربية.

ونبه إلى ضرورة تنشيط العمل الدعوي في المساجد، من خلال تخريج كوادر حقيقية من الداعيات وتزويدهن بمناهج وأفكار حديثة تتلاءم مع مشكلات المجتمع، خاصة مشكلة «إدمان المخدرات» التي أصبحت كابوسًا مزعجًا في رؤوس الأمم العربية والإسلامية.

وعن الأضرار التي تسببها المخدرات على الفرد والمجتمع، فتنقسم إلى أضرار اقتصادية واجتماعية ونفسية، حيث ترى الخبيرة الاجتماعية الدكتورة عزة كريم أن المخدرات تقضي على مقدرات الأمم، وتنشر فيها الفساد، ولم يعد خافيًا ما أحدثته المخدرات من آثار سلبية في المجتمعات التي انتشرت فيها، وأهمها ضعف الصلة بين العبد وربه؛ فيصبح بسببها «لقمة سائغة» للشيطان يأتمر بأمره، ويأخذ بمشورته، فيسهل عليه الإقدام على أي جريمة تُطلب منه من قتل، وسرقة، وهتك عرض، وغير ذلك.

أما الأضرار الاجتماعية، فتعتبر من أخطر الأضرار، وأكثرها وضوحاً؛ لأنها تمس الفرد والأسرة والمجتمع، إذ ينتج عنها ضعف بناء الأسرة، وتفككها، واختلال مركزها الاجتماعي، وانعدام القدوة، وتفشي ظاهرة الطلاق، بالإضافة إلى تراجع القدرة الإنتاجية للفرد، وانتشار البطالة، والصفات الذميمة، والعادات القبيحة، والاستهانة بالقيم الأخلاقية والمثل العليا بين أفراد المجتمع؛ حيث تنخر فيه مثل «السوس»، وتهدمه من أساسه، خاصة أن انتشار المخدرات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانتشار الرذيلة والجريمة بكل صورها.

خلل الإنتاج

وعن أضرار انتشار المخدرات من الناحية الاقتصادية، يؤكد الدكتور محمد عبد الحليم عمر، خبير الاقتصاد الإسلامي، أنها تشمل ضياع وفقدان ثروة وطنية عظيمة في الشباب المدمن، خاصة أن الشاب يمثل عنصرًا رئيسيًا في العملية الإنتاجية، وحدوث أي أثر سلبي في هذا العنصر يؤدي إلى خلل في العملية الإنتاجية.

حيث يظهر تأثير المخدرات في صورة انخفاض القدرة الإنتاجية للفرد، الأمر الذي ينعكس على أسرته والمجتمع بصفة عامة، كما يؤدي الإدمان إلى تكبيد الاقتصاد القومي للدول أموالاً طائلة تفوق الأموال التي تنفق على المخدرات بمراحل، سواء من ناحية ضعف الإنتاج، أم بسبب التصدي لها ومكافحتها، إضافة إلى الاهتمام بالوقاية، وعلاج المدمنين، في حين لو تم توجيه هذه الأموال إلى أنشطة إنتاجية؛ لأسهمت في ازدهار الحياة الاقتصادية لتلك الدول..

وأوضح أن المجتمعات العربية مهددة بالضياع الشامل؛ بسبب هذه الآفة اللعينة التي تزداد وتتفشى يومًا بعد يوم؛ بسبب انتشار المحمول، ووسائل التهريب التي تظهر كل يوم بثوب جديد.

وتساءل: ماذا تستفيد الأمة من شباب ضائع ذهنيًا يبحث عن حشيش وبودرة لا عن صناعة آلات ومعدات تستطيع المشاركة في النهوض ببلاده من التأخر؛ لتصبح في مصاف الدول التي باتت تتفنن في غزو العالم بصناعتها التي تنمي اقتصادها، وتعلي من شأن بلدها؟!