كشف كتاب جديد صادر في دبي امس عن ان اتباع قواعد العمل القديمة مثل ادارة المخاطر ومراقبة الديون بعين صقر، انجع وسيلة للفوز في الوقت الذي مع التأكيد على قواعد الانضباط أثناء سنوات الازدهار لمواجهة خطر أي انهيار محتمل.
ويناقش الكتاب وهو بعنوان (الغرق او السباحة) لمؤلفه الصحافي رتشارد دين والذي جرى إطلاقه امس كيفية مواجهة التحديات الاقتصادية الصعبة خصوصا التي ظهرت خلال الازمة الاقتصادية العالمية حيث يسلط الضوء على دروس في إدارة الأعمال من الدولة الإمارات ونماذج من الشركات وقادة الاعمال الذين نجحوا في مواجهة الازمة الاقتصادية واستطاعوا قيادة شركاتهم الى بر الامان والمحافظة على ربحيتها .
ويطرح الكتاب الصادر عن موتفيت للنشر بدعم من شركة الخليج للتمويل تحديات التراجع الاقتصادي التي واجهت قطاعات الأعمال في الإمارات. خلص الكتاب الذي يستقي الدروس من تجارب شركات إماراتية حافظت على مسار ازدهارها خلال الأزمة المالية العالمية إلى نتيجة مفادها أن الأعمال تستطيع مواجهة تحديات الكساد الاقتصادي فقط إن هي التزمت بقواعد الانضباط أثناء سنوات الازدهار درءاً لخطر أي انهيار محتمل.
ويقدم الكتاب نصائح عملية حول مواجهة تحديات التراجع الاقتصادي والاستعداد للتعافي بالإضافة إلى إرشادات من المحرر المساهم ستيف وليامز الرئيس التنفيذي لشركة الخليج للتمويل.
أمثلة عملية ناجحة
يتناول الكتاب في 112 صفحة من القطع المتوسط شركات مخرت بحر الأمواج الاقتصادية المتلاطمة بكفاءة عالية من قطاعات مختلفة منها على سبيل المثال مجموعة كانو التجارية العائلية وإتش أس بي سي عملاق القطاع المصرفي العالمي ومجموعة جي إي إيه بي إنترناشيونال لتجارة الفولاذ وبيتر هومز للوساطة العقارية والشركة الإعلامية الناشئة مومنتوم كوميونيكيشنز. كما يستعرض الكتاب أمثلة واقعية وحية لأشخاص لم يتصرفوا بالشكل الصحيح.
وبحسب الكتاب فإن الانضباط بما في ذلك الانضباط المالي لتجنب الوقوع في براثن الدين والمضاربة يمثل المبدأ الأهم لدى الشركات المحلية والإقليمية التي نجحت في تفادي تأثير العديد من الأزمات خلال الأربعين سنة الماضية بما في ذلك النزاعات المجاورة وتدهور أسعار النفط ومؤخراً أزمة الائتمان.
معتقدات خاطئة
ويتناول الكتاب بعض المعتقدات الزائفة التي لا أساس لها من الصحة ومنها الاعتقاد بأنك بحاجة لمنتجات أو خدمات فريدة للنجاة من الأمواج الاقتصادية المتلاطمة وأن الشركات التي تقدم الأفضل هي التي ستتصدى لأي تحديات اقتصادية مؤكدا أن هذا الأمر غير صحيح إطلاقاً ذلك انه وخلال عمل الكاتب على تأليف الكتاب قام بالتعاون مع شركة أبحاث لإجراء استطلاع شمل أكثر من 100 شخص ممن يديرون أو يعملون في شركات من مختلف قطاعات الأعمال في الإمارات.
وشمل الاستطلاع سؤالهم عن أهم العوامل التي تساعد على اجتياز الأزمة المالية واحتل عامل امتلاك منتجات أو خدمات فريدة المرتبة الرابعة عشر من مجموع 17 عاملاً بينما حصلت عوامل أخرى مثل الديون المعقولة والإدارة القوية للمحاسبة وكفاءة العمليات على أهمية أكبر بكثير. اما الاستنتاج الذي توصل اليه الكتاب فه إنه ليس بالعمل الذي تقوم به بل كيفية القيام به.
ومن الأمثلة التي تناولها الكتاب نخلة جميرا وهي جزيرة من صنع الإنسان تحتضن فندق أتلانتس الشهير وآلاف الفلل والشقق. ويعد هذا المشروع إنجازاً متميزاً بكل المقاييس حيث يمثل بلا شك أكثر الأماكن التي يرغب الأنسان العيش بها في دبي بدليل الإيجارات المرتفعة هناك. وعلى الرغم من ذلك واجهت الشركة المطورة للمشروع نخيل العديد من الصعوبات عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية بسبب هيكلة الديون الخاصة بها. وبشكل مماثل تعد داماس أفضل معارض تجارة الذهب بالتجزئة في المنطقة بلا منازع.
ولكن ذلك لم يساعدها كثيراً خلال الأزمة. (وخلافاً لذلك ازدهرت العديد من الشركات التي تقدم منتجات عادية جداً مثل بيتر هومز للوساطة العقارية أوإتش أس بي سي عملاق القطاع المصرفي. فلا توّفر هذه الشركات منتجات أو خدمات فريدة ولكنها فقط تدير أعمالها بشكل أفضل.
الاستعداد خلال الازدهار
أما الاعتقاد الخاطئ الثاني فهو أن هناك ثمة تركيبة سحرية للإدارة خلال الكساد الاقتصادي. أصيب العديد من أصحاب الأعمال بالذعر في العام 2009 حين عصفت الأزمة بالعالم أجمع حيث قاموا بتسريح المدراء التنفيذيين وتعيين خبراء وتطبيق استراتيجيات التغيير. تجاهل الجميع حقيقة أن القرارات المتخذة خلال فترات الذعر والانهيار نادراً ما تجدي نفعاً.
هنا أوضح رايان ماهوني مدير عام بيتر هومز نقطة أساسية بقوله برأي الجزء الأكثر أهمية في كيفية مواجهات تحديات الكساد الاقتصادي هو كيفية الاستعداد لذلك خلال فترات الازدهار. أسلوب تعامل الشركات مع التراجع الاقتصادي يشكل 30% فقط من معركة النجاة وأما الـ 70% الباقية فتتمثل بامتلاك أعمال مستدامة تستند إلى أسس قوية في المقام الأول. وهذا ما اتفق عليه أيضاً المشاركون في الاستطلاع الذي أجراه الكاتب.
نتائج
وبحسب النتائج التي توصّل إليها الكتاب يتحتم على شركات الأعمال الالتزام بقواعد الانضباط أثناء سنوات الازدهار درءاً لخطر أي انهيار محتمل. وتناول الكتاب ماهيندرا باتيل كمثال يحتذى به في تطبيق قواعد الانضباط. قدم باتيل إلى الإمارات في السبعينات لإطلاق العمليات الإقليمية لشركته الهندية العائلية.
واليوم باتت شركته جي إي أيه بي إحدى كبرى الشركات العاملة في مجال استيراد وتصنيع الحديد الصلب في المنطقة بالإضافة إلى أعمال أخرى في قطاعات الكيمياويات والشحن والمواد الغذائية.
كيف نجح في تأسيس أعمال استطاعت تفادي العديد من الأزمات الإقليمية على مدار الأربعين سنة الماضية بما في ذلك النزاعات المجاورة وتدهور أسعار النفط ومؤخراً أزمة الإئتمان؟ الجواب يكمن في قواعد الانضباط المالي والإداري والشخصي والتوّسع المنظم والتي تعد من أهم مقومات الصمود في وجه التحديات.
ومن التجارب الواقعية شهدت أسعار الحديد الصلب في دبي ارتفاعاً ملحوظاً خلال العام 2008 حيث قفزت من 800 دولار للطن الوحد خلال شهر يناير لتصل إلى 1600 دولار خلال شهر يوليو من نفس العام حيث يعزى ذلك إلى زيادة الطلب على مواد البناء خلال تلك الفترة. وبعد ذلك انفجرت فقاعة الطفرة العقارية.
وانخفضت أسعار الحديد الصلب إلى 400 دولار فقط مع نهاية العام ذاته. استطاع بعض تجار الحديد الصلب في الدولة تحقيق أرباح طائلة في مرحلة ارتفاع الأسعار.
ولكنهم انهاروا عند انخفاض الأسعار بعد فترة قصيرة. لم يغفل باتيل إلى حقيقة مفادها أنه يدير شركة تجارية وليس صندوق استثمار تحوطي وقاوم الرغبة الملحة لاستغلال ارتفاع الأسعار. ويوضح باتيل في الكتاب دور قواعد الانضباط في بناء أعمال قوية ومستدامة على المدى البعيد.
نموذج معاكس
أما القطب المعاكس لماهيندرا باتيل هو مايك ريفسون وهو شاب بريطاني قدم إلى دبي خلال العام 2005 بينما كانت الطفرة العقارية في أوجها. كان يمتلك القليل من رأس المال مع الكثير من الطاقة والطموح والخبرة في القطاع العقاري في المملكة المتحدة. حقق ريفسون مكانة هامة في مجال الوساطة العقارية خلال فترة الانتعاش.
ولم يقتنع بالحصول على وظيفة وكسب عمولة من بيع الشقق السكنية وحسب بل قام بتأسيس شركته الخاصة والتي تمثلت أعمالها ببيع وشراء مباني بأكملها وليس الشقق فقط. وسرعان ما أصبح من أصحاب ملايين الدولارات ويمتلك سيارات وشققاً فاخرة ومكاتب فخمة لمزاولة أعماله.
وعلى العكس من باتيل لم يلتزم ريفسون بقواعد الانضباط بل ظل يحلم بزيادة ثروته ويصبح من أصحاب المليارات. وعليه فضّل ريفسون مطاردة الأرباح السريعة والمجازفات الكبيرة لتحقيق حلمه. وعندما شهد سوق دبي تراجعاً ملحوظاً في شهر سبتمبر 2008 وقع ريفسون في براثن الدين والمضاربة وظل يحاول الصمود لمدة 18 شهراً حتى عاد إلى المملكة المتحدة مفلساً في ربيع 2010 .
ويؤكد مؤلف الكتاب ريتشارد دين ان الازمة كشفت أن اتباع قواعد العمل القديمة مثل إدارة المخاطر ومراقبة الديون بعين صقر أنجع وسيلة للفوز. وإذا ما نظرنا إلى قادة الأعمال في الإمارات الذين أداروا شركاتهم بهذه الطريقة خلال فترة الازدهار وفترة الانهيار التي تلتها نجد أنهم مازالوا اليوم أصحاب ملايين ومليارات. أما الذين فضلوا مطاردة الأرباح السريعة والمجازفات الكبيرة بأموال القروض فقد خسروا ثروات هائلة.
امتلاك أعمال مستدامة
ومن بين النتائج الرئيسية التي توصل إليها الكتاب أن أسلوب تعامل الشركات مع التراجع الاقتصادي يشكل 30% فقط من معركة النجاة وأما الـ 70% الباقية فتتمثل في امتلاك أعمال مستدامة تستند إلى أسس قوية في المقام الأول.
كما ان امتلاك منتج فريد أو خدمة ليس له علاقة إلى حد كبير بالنجاة من الكساد الاقتصادي، بل إن الأهم من ذلك بكثير هو امتلاك إدارة قوية ووجود ديون معقولة وقاعدة عملاء متنوعة.
كما يشير الى ان الافتقار إلى الانضباط يمثل أحد الأسباب الرئيسية للإخفاق. والانضباط المالي والإداري والشخصي والتوسع المنظم من أهم مقومات الصمود في وجه التحديات وربما تكون هذه التجارب الواقعية واضحةً اليوم ولكن بعد فوات الأوان للعديد من شركات الأعمال لعلها تكون تجارب ودروس خلال فترة الانتعاش القادمة.
حظي كتاب الغرق أو السباحة باهتمام كبير ومراجعات دقيقة من قبل مجتمعات الأعمال والإعلام في المنطقة نظراً لأسلوبه الحيوي والمشوق ومحتواه العالمي الغني وواقعيته المحلية ودروسه القيمة.
ويتوفر كتاب الغرق أو السباحة الذي نشرته مؤسسة موتيفيت في مختلف المكتبات الرئيسية بالإمارات بسعر 75 درهماً بعد أن نال موافقة المجلس الوطني للإعلام. وشهد حفل اطلاق الكتاب حضور نخبة من المدراء التنفيذيين وقادة الأعمال من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في الدولة ممن أتاح لهم الحدث فرصة تبادل الآراء حول الكتاب وقضايا أخرى تخص الأعمال في الإمارات.
دبي- علي الصمادي
