يعكف الكرملين على إحياء فكرة، وضعت على الرف خلال أزمة الركود العميقة التي عصفت بالبلاد، وتتمثل في تحويل موسكو إلى مركز مالي عالمي، ينافس أعتى الوجهات العالمية.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن أركادي دفوركوفيتش كبير مساعدي الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الاقتصاديين قوله، أن الوجهة الروسية ستكون أقرب إلى الطابع الأوروبي، وفيما يخص كثيرا من الأوروبيين، فإن ثمة منافع جمة من العمل في بيئة أوروبية.
وأكدت الصحيفة أن الضغوط الكثيفة التي يمارسها ميدفيديف، لتحديث البينة الاقتصادية والنظام القضائي الروسي، تعني أن الحكومة مصممة على إلغاء القيود التي حالت دون قيام الأقطاب الاقتصاديين والشركات الروسية من مزاولة أعمال مالية روتينية في داخل البلاد.
كما تعكف الجهات التنظيمية على إنشاء مؤسسة إيداع مركزية للسندات ، تسمح للمستثمرين العالميين، المتوجسين خيفة من المقاصة والتسويات، بشراء الأسهم الروسية للمرة الأولى في السوق المحلية، بدلا من شهادات الإيداع الأميركية أو العالمية.
ومن شأن التشريعات الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ في الشهر الجاري، السماح لبعض الكفاءات الأجنبية المؤهلة، بتجاوز بعض القيود الروسية المتأصلة عند التقدم بطلبات تراخيص عمل وتأشيرات.
وتتحدث مصادر مصرفية استثمارية، عن إمكانية تسهيل طلبات التأشيرات بالنسبة للرؤساء التنفيذيين الأجانب، والمحامين والمحاسبين، كي يتسنى لهم الدخول والخروج بأقصر وقت ممكن.
وكان الرئيس مدفيديف عين في هذا العام، ألكسندر فولوشين، وهو مساعد كبير سابق، ورئيس مجلس الإدارة الحالي لشركة أو إيه أو نورليسك نيكل، لإدارة دفة مشروع المركز المالي.
وأشارت الصحيفة إلى احتمال قيام الحكومة الروسية بدعم التخصص في أوجه معينة من التمويل مثل تداول السلع، فيما يشير الاحتمال الآخر إلى تركيزها على زيادة حصتها في أعمال تجارية في دول الاتحاد الروسي، فضلا عن أسواق ناشئة أخرى، وفقا لما قاله دفوركوفيتش.
ومضى قائلا، أن الإطار القانوني والتنظيمي سيوضع في صياغته النهائية في السنوات الثلاث القادمة، وأن يعطي المشروع ثماره في غضون عشر سنوات. وسيكون المستفيدون الأوائل من انطلاق موسكو كمركز مالي، أكبر بنوكها الاستثمارية وأوسعها نشاطا، وهي ترويكا ديالوج، ورينسانس كابيتال، وفي تي بي كابيتال.
غير أن روبين فراديانيان الرئيس التنفيذي لترويكا، يرى أن الأمر بحاجة لالتزام من جانب البنوك العالمية، لضمان نجاح مشروع الرئيس الروسي. ودرجة هذا الالتزام قد لا تكون قريبة المنال.
فنظام روسيا القضائي المتعثر، وقطاعها المصرفي الصغير نسبيا، وقاعدة المستثمرين المحلية الضيقة، والعوائق التي تعيق حركة صانعي الصفقات، وأموالهم ستحول بين موسكو وبين أن تصبح مركزا ماليا عالميا في المستقبل المنظور، على رأي بعض المصرفيين.
وفي السياق نفسه قال مكسيم لوبومودوريف، رئيس دائرة الخدمات المالي في ديلويت في موسكو، إن المخاطر السياسية ما زالت تبدو عالية، وما برحت حماية مصالح المستثمر في النظام القضائي موضع تطوير.
ووفقا لديالوجيك، فإن روسيا حققت 259 ملين دولار فقط حتى هذا الوقت من العام، من عائدات الاستثمارات البنكية، لتحتل المرتبة الخامسة عشرة بنسبة 1% من الإجمالي العالمي، وهي نسبة لم تتغير عن العام الماضي. في حين قفزت الصين من المرتبة السادسة العام الماضي إلى المرتبة الثانية ، لتزيد حصتها من العائدات إلى 9 .1 مليار دولار.
ويبدو أن غالبية البنوك العالمية، التي ما زال بعضها يترنح تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، ليست مستعدة بعد لزيادة انكشافها على روسيا، وأسواقها المتقلبة، خصوصا في ظل شح السيولة المحلية طويلة الأجل لشراء الأسهم والسندات كما حصل في عام 2008، عندما كان مؤشر البورصة الروسية الأسوأ أداء بين مؤشرات الأسهم المعيارية الرئيسة.
وتعقيبا على ذلك قال ألكسندر بيرتسوفسكيالذي يتولى الاستثمار البنكي من شبه الصحراء الأفريقية إلى منغوليا، ومقره موسكو، أن أكثر الأمور أهمية ولسوء الحظ، أن الأسواق المحلية ذاتها ضحلة في الوقت الراهن.
ومضى قائلا، إن الأسهم البرازيلية، التي تعتمد على السلع على غرار روسيا، حققت أداء أفضل بفضل حصص الأسهم الكبيرة التي تحتفظ بها محافظ المستثمرين المحليين، وصناديق التقاعد. مشيرا إلى أن موسكو تبحث عن قاعدة عالمية، لمركزها المالي أوسع مما تمتلكه ساو باولو حاليا.
ويشار إلى أن بنك أو إيه أو سبيربنك، أكبر البنوك الروسية ما زال حتى الآن يركز بصورة أساسية على قبول قرابة نصف ودائع الأفراد في البلاد، وإقراض الشركات المحلية، إلى جانب شريحة صغيرة من القروض الاستهلاكية.
في حين توسع في تي بي ثاني أكبر البنوك الروسية الذي أسس على أنقاض بنك التجارة الخارجية السوفيتي، على النطاق العالمي، مطلقا بنكا استثماريا سمي في تي بي كابيتال، بمساعدة موظفين استقطبهم من دويشه بنك.
وقد انتقل المقر الرئيسي لهذا البنك مؤخرا إلى موسكو سيتي، الحي المالي الذي لم يستكمل بعد، والواقع في الجزء الأوسط من المدينة. وبعد مشاركته في أول إصدار لسندات سيادية باليورو منذ عقد من الزمن، حظي البنك بتفويض للمساعدة في تنظيم سندات أوكرانيا السيادية.
ومن جهته قال روبين أجانبيجيان، المصرفي السابق في رينكاب، والمرشح تسلمه رئاسة مجموعة ميسيكس جروب، أن الألوية القصوى تكمن في تحديث نظام التداول في بورصة ميسيكس الروسية، كبرى البورصات في البلاد من حيث الحجم، بحيث لا يضطر المستثمرون المؤهلون لإيداع مبالغ نقدية أو أسهم لحظة ممارسة عملية التداول.
وأشارت الصحيفة إلى احتمال اندماج ميسيكس، التي يمتلكها بنك روسيا، وبنوكا رسمية أخرى، مع بورصة آر تي إس، التي توفر عقودا آجلة وخيارات للمستثمرين الساعين إلى ضبط المخاطر في روسيا. ويرى أجانبيجيجيان أن هناك خطوات عدة يمكن أن ترضي الجميع، مضيفا أن تعزيز دور موسكو كمركز مالي عالمي، هو هدف كبير في نهاية الأمر.
وائل الخطيب
