تشير البيانات الصادرة عن الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي الى تضاعف حجم الصادرات الصناعية لدول المجلس في الفترة ما بين عامي 2004 و2008، إلا أن وتيرة هذا النمو في الصادرات الصناعية الخليجية خفت حدتها بسبب الأزمة المالية العالمية.
ففي الوقت الذي ارتفع فيه حجم الصادرات الصناعية في عام 2005 بنسبة 25% مقارنة بعام 2004 فإن نسبة هذا الارتفاع تراجعت الى ما نسبته 8% فقط في عام 2008 مقارنة بعام 2007.
وعلى الرغم من عدم توفر بيانات نهائية لعام 2009 حتى الآن إلا أن تقلص أرباح الشركات الصناعية المدرجة في الأسواق الخليجية كشركة سابك وصناعات قطر على سبيل المثال تشير الى انخفاض أحجام وقيم صادرات الصناعات الخليجية بشكل عام بسبب تاثيرات الأزمة العالمية حسبما يشير تقرير بصحيفة مصرف الإمارات الصناعي لشهر يوليو.
فقد تركت الأزمة المالية العالمية تأثيرات متفاوتة على اقتصادات مختلف بلدان العالم وفي نفس الوقت تأثيرات مماثلة على مختلف القطاعات في نطاق الاقتصادات العالمية كل على حدة.
ولم تستثن هذه التأثيرات القطاعات الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي ومن ضمنها قطاع الصناعات التحويلية الذي كان قد حقق معدلات نمو سريعة ومرتفعة خلال سنوات العقد الحالي.
ومع ذلك فإن تأثيرات الأزمة المالية العالمية على قطاع الصناعات التحويلية بصورة خاصة وعلى الاقتصادات الخليجية بشكل عام ظلت محدودة، إذ استطاعت دول المجلس توفير التمويلات اللازمة لاستكمال المشاريع الصناعية التي سبق وأن أعلن عنها في السنوات السابقة بما فيها بعض الصناعات الكبيرة العاملة في قطاع الألمنيوم والبتروكيماويات ومنتجات النفط.
وفي هذا الجانب أدى ارتفاع أسعار النفط مجدداً وتمحورها حول معدلات مرتفعة تراوحت ما بين 65 و70 دولاراً للبرميل في المتوسط الى قيام دول المجلس بإمداد الأسواق المالية بالسيولة اللازمة من جهة والى توفير التمويل الخاص باستكمال المشاريع الصناعية من جهة أخرى.
ويعتبر هذا بحد ذاته تطوراً إيجابياً ساهم في استقرار قطاع الصناعات التحويلية في دول المجلس وفي سرعة استعادة نموه الطبيعي، وذلك على العكس من الصعوبات التي عانت منها القطاعات الصناعية في بقية بلدان العالم وبالأخص في الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي.
والى جانب عمليات ضخ السيولة فإن هناك بعض التطورات الإيجابية التي نجمت عن الأزمة المالية العالمية والتي أتاحت فرصاً مهمة لتنمية قطاع الصناعات التحويلية وزيادة حجم الصادرات الصناعية في دول المجلس، حيث تأتي قضية انخفاض تكاليف إقامة مشروعات صناعية جديدة على رأس هذه التطورات الايجابية.
وإذا ما تم مزج هذين العاملين المتمثلين في ارتفاع أسعار وعائدات النفط وانخفاض تكاليف إقامة المشاريع الصناعية فإن الأزمة المالية العالمية تكون قد هيأت ظروفاً مناسبة لتنمية قطاع الصناعات التحويلية في دول مجلس التعاون الخليجي.
لذلك فإن مثل هذه الظروف تتيح امكانيات كبيرة أمام القطاعين العام والخاص للبدء في إقامة المزيد من المشاريع الصناعية التي يمكن أن تساهم في زيادة وتائر النمو وتنويع مصادر الدخل في دول المجلس، وبالأخص بعد التسهيلات الجديدة التي قدمت للمستثمرين في نطاق التعاون الخليجي.
والى جانب إقامة مشاريع جديدة فإنه تتوفر فرص مجدية لعمليات استحواذ في القطاع الصناعي في البلدان المتقدمة مماثلة للفرص المجدية في القطاعات الأخرى، كالقطاع العقاري، حيث استحوذت بعض دول المجلس على مشاريع عقارية كبيرة في البلدان الغربية في الأشهر القليلة الماضية وبالأخص في العاصمة البريطانية لندن.
وبالإضافة الى مستجدات الأزمة المالية العالمية والتي يمكن تسخيرها لتنمية الصناعات التحويلية فإن المعطيات الموجودة على أرض الواقع خليجياً، وبالأخص وجود السوق الخليجية المشتركة.
ستساهم بدورها في الدفع باتجاه إيجاد المزيد من الفرص والحوافز التي يمكن استغلالها لتطوير القطاع الصناعي في دول المجلس سواء على مستوى كل دولة على حدة أو من خلال إقامة مشاريع خليجية مشتركة.
واذا كانت دول المجلس تعتبر من أقل البلدان تأثرا بالأزمة المالية العالمية، كما أشارت الى ذلك العديد من التقارير والدراسات المحلية والعالمية، بما فيها دراسات مصرف الامارات الصناعي، فإن مثل هذه التوجهات التي تمت الإشارة إليها في هذه الدراسة يمكن أن تساهم في سرعة تعافي الاقتصادات الخليجية.
والتي بدأت بالفعل مسيرة التعافي من تداعيات الأزمة المالية قبل غيرها من الاقتصادات العالمية التي عانت كثيرا من جراء هذه التداعيات.
من خلال ذلك يمكن تفادي هذه الترسبات السلبية للأزمة المالية العالمية على قطاع الصناعات التحويلية، بما في ذلك انخفاض معدلات نمو الصادرات الصناعية، مع تسخير مستجدات الأزمة لتنمية هذا القطاع الحيوي وتحقيق معدلات نمو مرتفعة في السنوات المقبلة.
دبي ـ «البيان»
