تشهد سلطة مركز دبي المالي العالمي تغييرات استراتيجية وهيكلية تنبئ بانطلاقها إلى أفق أكثر رحابة واتساعا لتعطي نموذجا حيا يختزل في تعبيراته ودلالاته نحو انطلاقة جديدة لاقتصاد دبي أتى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة.
رئيس الوزراء حاكم دبي على ذكرها في متن تصريحات سموه الصحفية الأخيرة، وتتمحور التغييرات الاستراتيجية المرتقبة حول وضع أهداف ومفردات جديدة تكسب الرسالة التي ينشد المركز تحقيقها مضمونا مختلفا عن تلك التي تبناها خلال الفترة التالية على تأسيسه في عام 2005.وتجسد في الوقت ذاته توجيهات معالي أحمد حميد الطاير محافظ مركز دبي المالي العالمي التي تدور في مجملها حول تبني هدف استراتيجي جديد وهو «تعزيز الفاعلية والكفاءة استنادا إلى اقتصاديات النطاق والتشغيل».وتتفرع من هذا الهدف الاستراتيجي أهداف أخرى تتعلق بتعزيز حوكمة وشفافية سلطة مركز دبي المالي العالمي، والاستجابة لتوقعات وتطلعات العملاء والشركات من خلال مراجعة قاعدة التكاليف، وحث الشركات المسجلة على النمو والتوسع بما يحقق قيما مضافة لمجتمع المال بالمركز واقتصاد الدولة بشكل عام.
ولا تقتصر التغييرات المرتقبة على الجوانب المتعلقة بالاستراتيجية، وإنما تشمل كذلك البنيان التنظيمي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، وذلك من زاوية تأسيس إدارة جديدة معنية بالامتثال بالقوانين والقواعد المقررة.
ولا تنحصر مسؤولية هذه الإدارة على التأكد من امتثال الشركات بهذه القوانين، بل مسؤولة كذلك عن «الامتثال الداخلي» أي امتثال سلطة مركز دبي المالي العالمي بهذه القواعد والقوانين، فضلا عن تفعيل «إدارة المخاطر» بشقيها الداخلي والخارجي، وتطوير مهام «فريق تطوير الأعمال» لتشمل بناء علاقات أعمال مع الشركات المسجلة.
وذلك في خط مواز مع المهمة الرئيسية المتعلقة باستقطاب الشركات الجديدة، إلى جانب التخطيط لتشكيل لجنة تختص بمراجعة تكاليف مزاولة الأعمال بالمركز، بما في ذلك أسعار الإيجارات.
وتعبر هذه التعييرات في رأي عبد الله محمد العور الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي في حديثه الخاص ل«البيان الاقتصادي» عن حركة تطور طبيعي غير مقطوعة الصلة بمراحل التطور السابقة التي اجتازتها سلطة مركز دبي المالي العالمي.
والتي تهدف في المحك النهائي إلى جعل المركز أحد العناوين البارزة والمجسدة لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد الرامية إلى إرساء اقتصاد قائم على المعرفة.
حيث تمت ترجمة رؤية سموه منذ عام 2000 وحتى الوقت الحالي على أرض الواقع في صورة نماذج وأمثله عديدة، من بينها تألق مكانة مركز دبي المالي العالمي كلاعب رائد ورئيسي في صناعة المال على مختلف الأصعدة.
وتتمثل القوة الرئيسية المحفزة على التغيير في كون مركز دبي المالي قد نجح بالفعل في اكتساب المكانة العالمية، وبات السؤال المطروح بإلحاحية ؟ بحسب أقوال عبد الله العور- هو: ما هو الهدف التالي الذي من المتعين أن يعمل المركز على تحقيقه؟.
وجرى إثارة هذا التساؤل ـ والكلام مازال له ـ بعدما تمكن المركز من بلوغ مرحلة نوعية من تطوره على سلم المراكز بالمكانة العالمية، وبعدما جرى دحض الشكوك التي كانت مثارة ابان فترة التأسيس حول قدرة المركز على استقطاب الشركات والمؤسسات المالية. فقد تم بالفعل خلال السنوات الخمس التالية التأسيس من سد مختلف الفجوات المتعلقة ببنيانه التنظيمي وبنيته التحتية من بناء المركز.
مرحلة جديدة
ويتساءل هنا عبد الله العور عما إذا المركز قد تمكن من بلوغ الهدف المنشود، ويجيب على هذا السؤال بقوله: الإجابة قطعا بالنفي، إذ لا بد من إنجاز أشياء أخرى عديدة لكي نكون في موقع يؤهلنا للارتقاء بمكانة المركز إلى مستوى أعلى من الاكتمال، حيث ان بلوغ المكانة العالمية مسألة، وتثبيت وتوطيد هذه المكانة مسألة أخرى.
لقد تم بالفعل - والكلام له - إنجاز الرسالة التي من أجلها تم إطلاق المركز وهي أن يكون قوة محفزة للنمو الاقتصادي من خلال ترسيخ موقعه كمركز مالي عالمي، وبالتالي، لم يعد في الإمكان تبني هذه الرسالة خلال المرحلة المقبلة.
بعدما صارت حقيقة قائمة على الأرض بالفعل، ومن ثم، صار من المستوجب علينا وعلى فريق العمل في المركز أن يتحرك صوب مرحلة جديدة من مراحل تطور المركز، بأن نخطو إلى مرحلة تثبيت وتوطيد مكانة المركز العالمية.
ويسلط عبد الله العور الضوء على طبيعة المرحلة الجديدة التي يمر بها المركز بقوله: بناء على توجيهات معالي أحمد حميد الطاير محافظ مركز دبي المالي العالمي التي تتعلق بهذه المرحلة، تم الاعتماد على محاور عمل أخرى جديدة تتمحور حول «اقتصاديات النطاق والتشغيل».
وذلك من خلال حث الشركات المسجلة بالمركز على توسيع دائرة أنشطتها ومجالات عملها، فهذا من شأنه أن يحقق قيمة مضافة لاقتصاد الدولة بشكل عام، واقتصاد دبي على وجه الخصوص.
وتبرز الحوكمة القوية لسلطة مركز دبي المالي العالمي بوصفها واحدة من الأولويات البالغة الأهمية في المرحلة المقبلة، ويتحدث عبد الله العور عن هذه النقطة بقوله: رغم الأهمية البالغة لمسألة الحوكمة، إلا أنها لا تعدو أن تكون سوى أحد محاور تحرك المركز.
بالنظر إلى أن هناك محاور تحرك أخرى لا تقل أهمية، وقد ساهم العمل على هذه المحاور المتعددة في تعزيز قدرات المركز خلال السنوات الخمس الماضية على بلوغ درجة عالية من النضج والتطور والوصول إلى المكانة العالمية التي بشغلها الآن، وبفضل ذلك، صار المركز مجهزا بأطر وقواعد تنظيمية من الطراز العالمي.
إلى جانب بيئة أعمال مواتية للشركات العالمية تماثل تلك القائمة في الأسواق العالمية، إلى جانب تدشين بنية تحتية من الخدمات والتسهيلات قلما تتواجد في الأسواق المالية الأخرى بالمنطقة، بل يتواجد بعضها في الأسواق الأخرى المتقدمة على غرار المملكة المتحدة وهونغ كونغ.
الامتثال للقوانين
ويكشف عبد الله العور عن إجراء مراجعة لأداء الإدارات القائمة بالسلطة خلال الأشهر الأربعة الماضية، وذلك بهدف تحديد الإدارات التي يجب العمل على زيادة أنشطتها ومسؤولياتها وأدوارها.
من بينها مراجعة أدوار الإدارات المسؤولة عن الامتثال للقواعد والقوانين المقررة، وتمخضت المراجعة عن تأسيس إدارة مستقلة معنية بهذه المسؤوليات التي كانت في السابق موزعة على عدد من الإدارات، من بينها الإدارة القانونية.
وتحدث عبد الله العور عن مسؤوليات إدارة الامتثال للقوانين والقواعد المقررة بقوله: لا تنحصر مسؤوليتها على مسألة امتثال الشركات للقوانين والقواعد المقررة فحسب.
بل هي كذلك مسؤولة عن «الامتثال الداخلي» أي امتثال سلطة مركز دبي المالي العالمي لهذه القواعد والقوانين، إذ تعتبر سلطة مركز دبي المالي العالمي منطقة حرة فيدرالية ذات قوانين وقواعد مقرر تطبيقها على الجميع.
بما في ذلك السلطة ذاتها، وبالتالي، تعد مسؤولية «الامتثال الداخلي» مسألة بالغة الأهمية، وذلك في ظل الجهود المنصرفة حاليا نحو هدف تدعيم «اقتصاديات النطاق والتشغيل».
وهو أمر يستجوب أن تكون الهياكل داخل السلطة كفئة فعالة وداعمة لتحقيق مثل هذا الهدف، كما يستجوب العمل على ضمان تطابق القرارات المتخذة في مختلف المستويات مع القواعد والقوانين المقررة.
إدارة المخاطر
وفي السياق ذاته، تركز سلطة مركز دبي المالي العالمي في المرحلة المقبلة على تفعيل «إدارة المخاطر» بشقيها الداخلي والخارجي، ويشرح عبد الله العور المنطق الداعي لذلك بقوله: مع كبر حجم الشركات، تتزايد المخاطر والمشاكل، وهو الأمر الذي يستلزم معه.
وجوب تقييم المخاطر الناجمة عن الإضطلاع بنوعية معينة من المهام والمسؤوليات أو تلك المخاطر المرتبطة بتزويد خدمات معينة، فضلا عن فحص المخاطر المرتبطة بالسياسات المتبعة.
وتتزايد أهمية هذه الأولوية ـ والكلام مازال له - مع الاتجاه في المرحلة المقبلة إلى تحقيق المزيد من النمو باستقطاب المزيد من الشركات، وتحفيز الشركات على توسيع أنشطتها وأعمالها.
وتأكيد الامتثال للقواعد والقوانين، ويضطلع المركز بهذه المسؤوليات بوصفه «الجهة التنظيمية» المسؤولة عن الاشراف التنظيمي على الشركات المسجلة غير المالية كتلك العاملة في مجال المحاماة والاستشارات الإدارات، فضلا عن كون السلطة مركز دبي المالي العالمي مسؤولة كذلك عن تحقيق الامتثال للقوانين والقواعد المقررة التي يزيد عددها على 22 قانونا.
تطوير الأعمال
وتندرج أولوية تطوير مهام فريق العمل المسؤول عن تطوير الأعمال ضمن الأولويات التي ستعطيها سلطة مركز دبي المالي العالي أولوية كبيرة في المرحلة المقبلة، ويستبعد هنا عبد الله العور إمكانية تعهيد أنشطة المركز التسويقية والترويجية إلى جهات وشركات أخرى.
وعوضا عن ذلك، سيجري العمل على الارتقاء بمهارات فريق العمل المختص بتطوير الأعمال، ويشرح هذا المحور من محاور تحرك المركز قائلا: كوننا نعمل مع شركات لتقديم قيم مضافة إلى أنشطتنا.
لا يعني أننا لا نعر اهتماما لتطوير قدراتنا في مجال التسويق والترويج، بل على العكس، لدينا فريق عمل قوي مختص بتطوير الأعمال، ونحن نعمل على الارتقاء بمهارات هذا الفريق لتتعاظم قدراته في مجال «بناء علاقات الأعمال».
ويواصل حديثه بقوله: سيظل العاملون بالمركز هم المسؤولون عن الأنشطة المرتبطة بالترويج والتسويق وتطوير الأعمال، ويتمثل الفارق هنا أن مهام الترويج والتسويق لن تكون قاصرة على مجرد استقطاب الشركات الجديدة.
بل تشمل كذلك الحفاظ على التواصل في العلاقات مع هذه الشركات بغية حثها على زيادة حجم أعمالها وأطقم العاملين لديها، وذلك بأن يكون كل عضو في فريق تطوير الأعمال مسؤولا عن بناء وإدارة العلاقات مع عدد من الشركات المسجلة بالمركز.
بحيث يكون بالمقدور الاحتفاظ بديمومة هذه العلاقات على الأجل الطويل، وفي خط مواز، سيواصل الفريق مهامه المتعلقة باستقطاب الشركات الجديدة.
وهكذا، صارت سلطة مركز دبي المالي متأهبة للانطلاق صوب مرحلة نوعية جديدة غير مقطوعة الصلة بمراحل تطورها السابقة.
وبالتالي، لا تشكل التغييرات المرتقبة في رأي عبد الله العور تحولا جذريا عن الثوابت المتبعة، باعتبار أن المركز ينهض في المحك النهائي على مقومات وأسس تتميز بالصلابة والقوة والتي ساهمت في إكسابه وضعية متميزة ومتفردة، ويبقى السؤال المحوري هو الكيفية التي بها ستتم إضافة عناصر قوة جديدة تعزز قاعدة انطلاق المركز نحو فضاء العالمية.
تأكيد
لا مجال لإدراج سلطة مركز دبي في البورصات
استبعد عبد الله العور الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي مسألة تحويل السلطة إلى شركة تدرج أسهمها في البورصات، وعلل ذلك بأن السلطة تعتبر في المحك النهائي هيئة حكومية.
وقال العور أنه يجب التمييز بين سلطة مركز دبي المالي العالمي من جانب، وشركة مركز دبي المالي العالمي للاستثمارات، حيث تعد الأولى في المحك النهائي هيئة حكومية مثلها مثل محاكم مركز دبي المالي العالمي وسلطة دبي للخدمات المالية، ومن ثم، فمن غير الممكن إدراج أسهمها في البورصات، فيما تعتبر الثانية شركة مستقلة تتبع المركز وتمتلك محفظة استثمارات.
وأضاف: يحق لسلطة مركز دبي المالي العالمي تأسيس الشركات والأذرع التابعة لها، وتلتزم الشركات التابعة لها بكافة قواعده وقوانين، ويجب هنا تعزيز الوعي بأهمية الامتثال لهذه القواعد من كافة الكيانات والشركات المنضوية تحت مظلة اختصاص سلطة مركز دبي المالي العالمي.
الحفاظ على السمعة
يعتبر الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي عبد الله العور توجيه الاهتمام لمسألة إدارة المخاطر نتيجة للتطور الطبيعي لمركز دبي المالي العالمي وليس نتاج الدروس المستخلصة من الأزمة المالية العالمية، ويتناول هذه النقطة بقوله: لم يأت الاهتمام بإدارة المخاطر كنتيجة للأزمة المالية العالمية.
بل جاء تعبيرا عن التطور الطبيعي للبنيان التنظيمي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، إذ ينمو المركز بشكل يومي، وهو ما يقود تلقائيا إلى زيادة حجم المخاطر، ونحن نولي أولوية فائقة للمخاطر المرتبطة بالسمعة والشهرة.
وتشكل هذه المخاطر أحد الأسباب التي ادت إلى تأسيس إدارة مستقلة لإدارة المخاطر، فمن شأن انتهاك واحدة من الشركات للقواعد والقوانين المقررة أن يؤثر بالسلب على سمعة مركز دبي المالي العالمي.
حوكمة سلطة مركز دبي المالي
تبرز الحوكمة القوية لسلطة مركز دبي المالي العالمي بوصفها واحدة من الأولويات البالغة الأهمية في المرحلة المقبلة، ويتحدث عبد الله العور عن هذه النقطة بقوله: تعد الحوكمة عنصرا بالغ الأهمية، ليس من ناحية البنيان التنظيمي لسلطة مركز دبي المالي العالمي فقط.
ولكن على صعيد قطاع الصناعة المالية ككل، بل تعد الحوكمة صفة لصيقة بالمراكز المالية الناجحة في الأسواق المتقدمة، ويصعب تخيل نجاح أي مركز مالي من دون الاستناد إلى الحوكمة الرشيدة، ولهذا، شكل هذا الموضوع محورا رئيسيا من محاور تحرك المركز منذ بدايته الأولى.
ويتمثل الدليل على ذلك، إقدام المركز على تأسيس معهد حوكمة بالشراكة مع مختلف المنظمات العالمية، على غرار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي، ومن ثم، كان المركز سباقا في طرح هذه المبادرة التي استهدفت في الأصل تطوير خبرة الشركات العاملة في المنطقة.
فيما يتعلق بمجال الحوكمة الداخلية، وغطت أنشطة المبادرة مختلف الشركات، سواء أكانت حكومية أو خاصة أو شبه حكومية، وتمحورت الجهود حول الارتقاء بممارسات الحوكمة في المنطقة، وذلك من خلال تنظيم ورش العمل والحلقات النقاشية والمؤتمرات.
دبي ـ مجدي عبيد

