آية في حياتي:
قوله تعالى: «إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً»..
هذه الآية وأختها كانتا تأخذان بمجامع قلبي كلما استمعت إلى قارئ من قراء المدرسة المصرية كالشيخ مصطفى إسماعيل أو الشيخ عبدالباسط أو الشيخ شعبان الصياد وغيرهم، من الذين كانوا يجمعون بين حلاوة الصوت وإتقان النطق وروح القرآن المتخشعة، التي كانت تخترق كل الأعلال لتستقر في سويداء القلوب..
فربنا تبارك وتعالى أصدر بياناً للرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر فيه وظائفه التي أرسل من أجلها، وهي الشهادة والتبشير والإنذار، وتبليغ رسالة الله ودعوته كما أمره ربه أو كما هي فقط، وبذلك يكون أول قانع متمثل ومنفذ لأمر ربه، في الذروة العليا في كل جوانب هذه الرسالة، ليتأسى به كل متبع؛ فيكون الأسوة الحسنة لكل مسلم..
فهو عليه الصلاة والسلام شاهد على من أرسل إليهم وبذل جهده المستطاع في دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى شريعة تامة ناسخة للشرائع من قبله، ثم هو شاهد على كل من أرسل قبله من رسل الله إلى أقوالهم ورب العزة سبحانه وتعالى يقول: «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا»، ويوم القيامة يسأل الله المرسلين هل بلغتم فيقولون، نعم، فيقول من يشهد لكم؟ فيقولون: محمد، فيؤكد النبي صلى الله عليه وسلم قيامهم بالأمانة؛ وكذلك تشهد على الأمم السابقة..
والنبي صلى الله عليه وسلم يبشر من أحسن بعد إيمانه، بالجنة، وبعض الناس يقصر عدد المبشرين بالجنة على العشرة، بينما المبشرون أضعاف أضعاف أضعاف هذا العدد، هذا فضلاً عن ربط دخول الجنة بالأعمال المعينة أو العقائد العالية، كحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، وكحديث المرأة التي كانت تقوم بإخراج القمامة من المسجد، أو المرأة التي كانت تصرع وتتكشف، أو الرجل الأنصاري الذي ذهب معه عبدالله بن عمرو ليتعلم منه ماذا يصنع لربه ليلاً حتى يستحق دخول الجنة ثلاث ليالٍ، وغير أولئك كثير..
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ينذر ويخوف رغم أن طبيعته كانت دائماً تميل إلى البشارة بالخير ويحب ذلك كما سبق أن قال: «بشروا ولا تنفروا». ومن حبه للتراحم، كان ينذر ويخوف إنقاذاً لهم من الهلاك، كما ثبت قوله صلى الله عليه وسلم كثيراً: «لا يدخل الجنة كذا، لا يدخل الجنة كذا، أو صنفان من أهل النار، والأحاديث في ذلك كثيرة»..
ثم هو أمين على كلمة ربه يدعو بها دون افتئات عليها، بل هو مبلغ لدعوة ربه لا ينقص ولا يزيد ولا يستطيع ذلك مطلقاً، بل هو مبلغ ومبين، ولذلك قال رب العزة: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» والنبي صلى الله عليه وسلم يبين بعمله وإرشاده، ولذلك يكون كالنور الكاشف، الذي يخرج الناس من الظلمات، فهو لا ينطق عن الهوى، ثم هو الأسوة العملية من أجل ذلك قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقال: «خذوا عني مناسككم» والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
علي عيد