قال الشيخ: مما كرم الله به ابن آدم أن جعل له عقلًا، والعقل كما في التعريفات للجرجاني هو جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله وهو النفس الناطقة التي يشير إليها كل واحد بقوله: أنا. وقال الحارث المحاسبي: هو نور، وقال أحمد بن حنبل: هو غريزة.
ويجمع ابن الجوزي كل هذا بقوله: العقل غريزة كأنها نور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء فيعلم جواز الجائزات واستحالة المستحيلات ويتلمح عواقب الأمور. ووصفه بالنور يتفق مع حكمة الله عز وجل في خلق آدم وتعليمه الكلمات، ثم إسجاد الملائكة له، ثم إنزاله إلى العارض واختباره، ذلك أن هذا النور بتوفيق الله إن قوي كما يجب، قمع بملاحظة العواقب عاجل الهوى.
أما ما ورد من أحاديث نسبت إلى الرسول الأعظم في فضل العقل، فأكثره موضوع وضعيف وبعيد عن الثبوت، إلا أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قد أفلح من جعل الله له عقلاً. وروى ابن أبي الدنيا قول بعضهم: لما أهبط الله آدم إلى الأرض أتاه جبريل بثلاثة أشياء الدين والعقل وحسن الخلق، فقال إن الله يخيرك واحداً من هذه الثلاثة، فمد آدم يده إلى العقل فضمه إلى نفسه، فقال لذينك: اصعدا، قالا لا نفعل، قال: أتعصيانني؟ قالا: لا نعصيك ولكنا أمرنا أن نكون مع العقل، حيث كان فصارت الثلاثة إلى آدم.
وقال وهب بن منبه وهو من التابعين: إني وجدت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه أن الشيطان لم يكابد شيئاً أشد عليه من مؤمن عاقل، وأنه يكابد مائة جاهل، فيستجرهم من رقابهم فينقادون له، حيث يشاء ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ما ينال منه شيئاً من حاجته. وقال وهب ايضاً: ان الرجلين يستويان في أعمال البر ويكون بينهما كما بين المشرق والمغرب أو أبعد إذا كان أحدهما أعقل عن الآخر وما عبد الله بشيء أفضل من العقل.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه في حديث مرفوع بمعناه رواه الحكيم الترمذي وأورده أبو نعيم في الحلية: من كانت له سجية من عقل وغريزة من يقين لم تضره ذنوبه شيئاً، قيل كيف ذلك؟ قال: لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتوب توبة تمحي ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة.
وقيل لعطاء بن أبي رباح: ما أفضل ما أعطي الإنسان؟ قال: العقل عن الله تعالى
وقال الحسن البصري: ما يتم دين الرجل حتى يتم عقله، وما أودع الله امرءاً إلا استنقذه به يوماً.
من هذه القول لا بد أن نشير إلى نقاط مهمة: فالعقل أولاً هو الوعي بالأنا، أي بالذات على ما هي عليه، وتلك نعمة معجزة لا يقدرها امرؤ إلا إن شاهد من سلب عقله.
والعقل مستقل عن مادة الدماغ أو القلب، وان استخدمهما، وهذا أمر يعرفه الأطباء الذين كثيراً ما يرون أدمغة سليمة يحملها فاقدو عقول.
والقول بأنه غريزة يعني أنه في درجة من درجاته فطري مخلوق مع الإنسان وان جاز تنميته، أما القول بأنه نور فلأنه ينير طريق التمييز وإطلاق الأحكام وهو من كرم الله يهبه لمن يشاء بدرجاته وأعلاها الفهم عن الله عز وجل. وأهم وظيفة للعقل أن به يعرف الله عز وجل، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، وأن به يتم التمييز بين الحق والباطل والضار والنافع والخير والشر.
ومن هنا كان من أهم أسباب تقدير عواقب الأمور، فيغلب صاحبه العاقبة على العاجلة والباقي على الزائل واللائق على المخزي فهو سبب للسعادة في الدنيا والآخرة.
والعقل به يكمل إيمان المرء ويثبت، لأنه دليله على الرسوخ في الحق والخير ولزومهما، أما من لا رصيد كاف من العقل عنده، فقد تعصف به الشهوات والميول والأهواء فتخرج به عن الصراط المستقيم، وليس له من العقل ما يعيده إلى ما فيه نجاته، أما أعلى درجات العقل فهو الفهم عن الله أي رؤية أفعال الله وتصريفه للأقدار في ما يجري عليه من أحداث الحياة، والتعامل معها على هذا الأساس.
ما يعني من مراجعة نفسه عند الخطأ والتجاوز عن أخطاء الآخرين والتعامل مع كل الخلق بالنصيب البشري الممكن من أسماء الله الحسنى من رحمانية ورحمة وحلم وكرم وما إلى ذلك، مما يقوم الخلق والإسلام كله خلق فتلك فضائل العقل وقيمته وبينه وبين القلب صلة لا يعلمها إلا الله.
