الأزمة العالمية وطرق التعامل معها أوضحت أن أولويات العالم كانت في غير محلها، فالانهيار الإقتصادي الذي بدأ مع ازدياد طلب على الإسكان في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2006.

وتبعه أزمة الرهن العقاري ومن ثم إنهيار النظام المالي العالمي، أدى في نهاية المطاف إلى قيام بعض الحكومات بضخ مبالغ مالية ضخمة لإنقاذ اقتصاداتها.

فالثروات التي كونتها هذه الدول في الفترة ما قبل الأزمة العالمية، تلاشت وتبددت أثناءها، والأموال التي اقترضها الناس وأنفقت في ظل تضخم الأسعار كلها عوامل ساهمت في انهيار النظام المالي العالمي.

وعلى ما يبدو استطاع قلة في القطاع المالي أن يحققوا أرباح تقدر بمليارات الدولارات إلا أن الخاسر الحقيقي هو النظام المالي العالمي.

خطة الإنقاذ الرسمي من قبل الولايات المتحدة بلغت 7 .9 تريليون دولار والتي تعتبر أكبر دعم مالي في تاريخ البشرية تقدمه حكومه للقطاع الخاص، بينما بلغ مجموع القروض العقارية غير المسددة في الولايات المتحدة 5 .10 تريليونات.

مما يعني ان الكفالة المالية للحكومة الأمريكية كانت قادرة على أن تسدد ما يقارب 95% من هذه القروض، ولو طبق هذا الأمر فعلياً لاستطاع كل أمريكي ان يمتلك منزله مجاناً ومن دون رهن عقاري، إلا أنه على أرض الواقع لم يستفد ممتلكو هذه العقارات بشكل مباشر من خطة الانقاذ هذه.

حيث تم تخصيص هذه الأموال لانقاذ بعض عمالقة القطاع المالي في الولايات المتحدة الأمريكية بذريعة المحافظة على اقتصاد الدولة، أي أن المستفيد الحقيقي هم القلة من الشعب الأمريكي المتميزين.

أما فيما يتعلق برفع الفقر العالمي فإجمالي المساعدات المالية الممنوحة للدول الفقيرة منذ أربعين عام أي منذ عام 1970 لم يتجاوز 5 .2 تريليون دولار أي ما يزيد قليلاً عن 25% من المبلغ الذي خصصته الولايات المتحدة الأمريكية لانقاذ اقتصادها في عام واحد.

أما إجمالي الديون المستحقة على البلدان الأفقر في العالم فيقدر بحوالي 500 مليار دولار، أي ما يعادل 5% من مبلغ خطة الانقاذ المالية الأمريكية وهو جزء بسيط من المبالغ المالية التي منحتها حكومات الولايات المتحدة الأمريكية والصين وأوروبا لدعم اقتصاداتهم.

وبالتالي فبإمكان هذا المبلغ البسيط أن يحرر أشد الناس فقراً من عبودية الدين والسماح لهم بأن يتمتعوا بنوعية حياة أفضل من التي يعيشونها وانقاذ ما يقارب ملياري شخص من عبء الديون وتوليد ناتج اقتصادي عالمي يضاهي تباطؤ الاقتصاد العالمي الذي نتج عن الأزمة العالمية.

في النهاية يعود الأمر الى اختيار أولوياتنا، ففي عام 2008 قرر العالم انقاذ النظام المالي العالمي، وهو نفس القرار الذي اتخذه العالم في الخمسين سنة الماضية، ألا وهو تجاهل الفقراء وتركهم يغرقون بأعباء ديونهم، وللأسف فإن هذا الخيار له عواقب مؤلمة في كثير من الأحيان تتجلى في الحروب والإبادات الجماعية والإرهاب.