بدأت الدول الغنية والناشئة في مجموعة العشرين مناقشات حادة في تورونتو حول الموضوعين الشائكين؛ ضبط قطاع المال وفرض رسوم عليه. وبين دول ذات انظمة مالية مختلفة جدا لكنها التزمت بتعهدات طموحة اثناء قمتها السابقة في بيتسبرغ الولايات المتحدة كان موضوع اجتماعات تورونتو محصورا فقط في المحافظة على الوحدة.

وقال رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر: انا مقتنع باننا سنتوصل في مجموعة العشرين الى تفاهم على مجموعة من المواضيع في قمة تورونتو، ولا سيما حول ضبط عمل القطاع المالي.

ومجموعة العشرين التي كلفت صندوق النقد الدولي تقديم مقترحاته بشأن الرسوم المصرفية انقسمت اخيرا حول جدوى فرض مثل هذا الرسم والطريقة التي ينبغي ان يعتمدها القطاع المالي لضمان مساهمة عادلة وجوهرية تحمله على دفع الكلفة الناجمة عن عمليات تدخل الدول لإصلاح النظام المصرفي، وهذه هي نقطة الانطلاق.

لكن «لا دليل على ان فرض هذا الرسم ضروري في كل الدول»، كما اوضح اندري بوكاريف احد اعضاء الوفد الروسي الجمعة في تورونتو.

وهناك دول عدة تنتهج الخط نفسه مثل شركاء موسكو في مجموعة الدول الناشئة البرازيل وروسيا والهند والصين والدولة الكندية المضيفة او حتى استراليا. وتعتبر هذه الدول انها ليست في حاجة لإثارة الاضطراب في الرقابة على مصارفها ولا في معاقبتها عن طريق فرض ضريبة محددة.

وقال متحدث باسم الوفد الياباني في تورونتو ان مجموعة العشرين لم تتطرق الى هذه المسألة بالتحديد ولم يتغير الوضع منذ بيان اجتماع الوزراء في بوسان بكوريا الجنوبية في الخامس من يونيو الذي اشار إلى مجموعة مقاربات واكد ضرورة ان تؤخذ في الاعتبار الظروف الخاصة والامكانيات المتوافرة لكل دولة. واعلن مسؤول كبير في الوفد الأميركي أن مجموعة الثماني تحدثت عن ضبط مالي بشكل اعم.

جهود أوروبية

وامضى الاوروبيون الايام التي سبقت قمة تورونتو في التشديد على تأييد فرض هذا الرسم. وتأمل المانيا وفرنسا وبريطانيا ان تكون هي المثال في هذا الاطار. اما الولايات المتحدة التي كانت بين مشجعي الفكرة فلم تعد تتحدث عن الامر اخيرا. ففي واشنطن بات على الكونغرس بحث مسألة هذا الرسم اثناء مناقشة بنود موازنة 2010/2011 هذا الصيف.

ووصل الرئيس باراك اوباما في المقابل الى كندا وفي جعبته تسوية توصل اليها نواب بلاده حول اصلاح عملية الضبط المالي الاكثر طموحا لدى مجموعة العشرين. لكن مجموعة العشرين لم تحمل الكثير الى تورونتو. فالمباحثات بين المصارف المركزية وهيئات الضبط المالي للقواعد الجديدة للصناديق الخاصة بالـ 3 تتطلب وقتا.

والتعهد بوضع حد لحالات الافراط في المالية التي دفعت بالكوكب للوقوع في الانكماش وواجه صعوبة في ايجاد ترجمة ملموسة على الارض. وهكذا قالت جمعية مناهضة العولمة إن آخر قمم مجموعة العشرين توصلت الى خطط للنهوض والمساعدات الكثيفة للنظامين المالي والمصرفي من دون اخضاع هذين النظامين في المقابل لعمليات تنظيم جديدة.

تنحية الخلافات

وقال دبلوماسيون في قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى إن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وضعا خلافاتهما الاقتصادية جانبا واتفقا على أن أي خفض في الميزانية لا يجب أن يضر بالنمو.

وقبيل اجتماع كندا قال دبلوماسيون إن الانقسام ظهر بين الجانبين حيث تدفع دول الاتحاد الأوروبي إلى إجراء خفض عميق للميزانية، بينما تصر الولايات المتحدة على أن الأولوية ينبغي أن تكون لتعزيز النمو.

إلا أن دبلوماسيا أوروبيا في القمة قال إن شائعات وجود نوع من الصدام مبالغ فيها كثيرا وان التقارب جاء بسهولة تامة بالاتفاق على أن النمو وتعزيز الوضع المالي لا يستبعد أحدهما الآخر. واستخدم دبلوماسي أميركي تقريبا نفس الكلمات قائلا إن التخفيضات في الميزانية والتحفيز على النمو لا يستبعد أحدهما الآخر.

مساع حثيثة

وسعت الدول الثماني الاكثر ثراء خلال اجتماعها في هانتسفيل البلدة السياحية الكندية أول من أمس الجمعة للتخفيف من شأن الخلافات في وجهات النظر بينها حول افضل سبل لصيانة الانتعاش الاقتصادي المسجل حديثا والذي لا يزال هشا.

وبادر اوباما الى الضغط على الاوروبيين داعيا اياهم الى العمل معا لتفادي ازمة اقتصادية جديدة. كما ناشد وزير خزانته تيموثي غايتنر اوروبا ان تختار تطبيق اصلاحات وسياسات من شأنها ان تؤدي الى معدلات نمو اكبر في المستقبل.

وحذر غايتنر من ان العالم لا يمكن ان يستمر في الاعتماد على الولايات المتحدة كما في الماضي في وقت تم تخفيض ارقام النمو الأميركي في الفصل الاول من السنة. الاوروبيون من جهتهم سعوا للدفاع عن مواقفهم فأكدوا ان سياسات التقشف التي اقرت في الاشهر الماضية لا تضر بالانتعاش الاقتصادي.

كما حرصوا على تأكيد عدم قيام اي سجال بين الدول الثماني الاكثر ثراء عشية القمة التي ستجمعها مع الدول الناشئة الكبرى الـ12 في اطار مجموعة العشرين. وقالت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل بعد انتهاء جلسة العمل الاولى ان قادة مجموعة الثماني اظهروا تفاهما متبادلا، نافية قيام اي جدل بينهم خلال مناقشاتهم الاولى حول الاقتصاد العالمي.

غير انها اكدت في الوقت نفسه على صحة خياراتها على صعيد التقشف في النفقات وقالت: حان الوقت لخفض العجز في الميزانيات. وأضافت: اننا بحاجة الى نمو لا يقوم على الديون، بل على اسس فعلية.

كذلك اكد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عدم وجود خلافات في وجهات النظر بين الولايات المتحدة واوروبا حول الاستراتيجية الواجب اتباعها لصيانة الانتعاش الاقتصادي العالمي.

وقال: الخطر بالنسبة لنا والأميركيون وسواهم يقرون بذلك يكمن في عدم التحرك لخفض العجز المالي. وأضاف: اعتقد ان مجموعة الثماني ستخلص الى ان الدول التي تواجه اسوأ المشكلات عليها ان تسرع تحركها وهو ما قمنا به.

أجندات وطموحات مختلفة في الاجتماعات والمداولات

بدأت أمس في تورونتو اجتماعات مجموعة العشرين لمناقشة السياسات المتعلقة بتحقيق التوازن بين نمو الاقتصاد العالمي وتعزيز الرقابة المالية. وتأتي اجتماعات تورونتو بعد لقاء في بوسان بكوريا الجنوبية أوائل يونيو الجاري ضم وزراء مالية دول المجموعة بحثوا خلاله وسائل تشديد الرقابة المالية وضبط السياسات المالية العامة. وتحمل كل دولة في المجموعة اجندتها المالية والاقتصادية الخاصة.

ومن المتوقع أن يسفر لقاء تورونتو الذي ينهي أعماله اليوم (الأحد) عن الموافقة على انشاء مصرف عالمي لمنع الأزمات المالية في المستقبل، والاتفاق علي نصيب كل دولة في دفع تكاليف انقاذ الاقتصاد العالمي.

ويبقى أن نرى ما الذي سينتهي اليه زعماء المجموعة التي تضم الأرجنتين واستراليا والبرازيل وبريطانيا وكندا والصين والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمانيا والهند واندونيسيا وايطاليا واليابان والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب افريقيا وكوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة، وذلك بخصوص العملة الصينية في ضوء قرار بكين السماح لليوان بالارتفاع مقابل الدولار الأميركي.

وفي ما يلي ملخص للمسائل الرئيسية المتعلقة بالسياسة العامة لبعض الدول الأعضاء بالمجموعة، وخاصة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتركيا والاتحاد الأوروبي.

السعودية:

السعودية هي العضو الوحيد في منظمة أوبك الممثلة في مجموعة العشرين. يقول الدكتور جريجوري كوز الخبير واستاذ العلوم السياسية بجامعة فيرمونت: إن السعودية لن تعارض أي قرارات يتم التوصل اليها خلال اجتماعات تورونتو.

لكن المملكة ستدافع عن مصالحها في ما يتعلق الأمر بقضايا الطاقة والاستقرار المالي والتي لها انعكاسات هائلة على الاقتصاد السعودي.

كما تشعر المملكة العربية السعودية بتأثير الأزمة المالية العالمية في الصناديق السيادية في منطقة الخليج العربي، خاصة في دولة الإمارات العربية والكويت. وترغب السعودية في تقوية الأنظمة المصرفية وفي سياسات اقراض أكثر تحفظا، لكنها تعارض انشاء هيئة للرقابة على النظام المالي العالمي.

أميركا

واشنطن لديها هدفان رئيسيان؛ الأول هو الحصول على بعض الالتزامت من الصين بشأن رفع قيمة عملتها اليوان مقابل الدولار، والهدف الثاني هو مكافحة الضغوط الألمانية الرامية الى اجراء خفض حاد للميزانيات الحكومية الوطنية.

وفي خطابه الذي وجهه الى قادة دول المجموعة، حث الرئيس الأميركي باراك أوباما دول المجموعة على «المحافظة على الخطط الحكومية للإنفاق التحفيزي بحجة المرونة في ضبط وتيرة الاندماج».

روسيا:

لا يوجد لروسيا جدول أعمال خاص في تورونتو نظرا لأنها لاعب متواضع نسبيا في التدفقات التمويلية العالمية. ومع ذلك يشعر الروس بالقلق من جراء النمو البطئ لاقتصادها الوطني والصعوبات التي يواجهها في جذب الاستثمارات الأجنبية.

وسوف يواصل الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف مساعيه لتغيير الآليات التي تحكم المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد والبنك الدوليين.

وتتخذ روسيا هنا نفس مواقف كل من البرازيل والهند والصين الذين يرغبون في نصيب يتماشى مع قوة اقتصادياتهم في المؤسسات الدولية. كما ستنضم روسيا وكندا واستراليا في معارضة فرنسا والمانيا فيما يتعلق باقتراحما بفرض ضريبة مصرفية عالمية.

تركيا:

تأتي مشاركة تركيا في اجتماعات تورونتو تأكيدا لمكانتها الدولية المتصاعدة. وبالرغم من ارتفاع معدلات البطالة بها الى 7 .13%، فلا تبدو تركيا راغبة في الحصول على دعم اقتصادي من دول المجموعة.

ويقول ستيفن كوك الخبير بمجلس العلاقات الخارجية بنيويورك إن تركيا تريد المحافظة علي صورتها «كمضيف اقتصادي جيد» وعلى عدم تآكل شعبيتها بين مواطنيها في الداخل في نفس الوقت. وتشهد تركيا الآن مرحلة جديدة من أهم ملامحها التركيز على اقامة علاقات اقتصادية وتجارية مع البلدان النامية، خاصة في قارتي افريقيا واسيا.

ويضيف كوك أن تركيا تشعر أيضا بالارتياح ازاء «المكانة الجديدة بين القوي الاقتصادية والسياسة العالمية»، خاصة بعد المواجهة الأخيرة مع اسرائيل في اعقاب الهجوم علي اسطول سفن الحرية الذي كان في طريقه لكسر الحصار البحري على قطاع غزة، الى جانب الدور الذي قامت به في سبيل التوصل الى حل دبلوماسي لموضوع ايران النووي.

أوروبا:

أزمة الديون العالقة الأوروبية والركود دفعت الاصلاحات الاقتصادية والمالية على رأس جدول أعمال الاتحاد الأوروبي. واتفق زعماء الاتحاد الاوروبي للضغط من أجل فرض ضريبة على المعاملات المالية في البنوك التجارية، على الرغم من معارضة الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، وتصاعدت حدة التوتر التجاري مع الولايات المتحدة.

وبينما يشدد الرئيس اوباما على ضرورة اعتماد سياسات التحفيز الوطنية على المدى المتوسط، يرى الزعماء الأوروبيون ومعهم جان كلود تشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي ضرورة خفض الإنفاق الحكومي.

وقد وضعت ضريبة المعاملات المالية أيضا ردود فعل متباينة لدى بعض الدول الاعضاء في الاتحاد، فبريطانيا على سبيل المثال، تنتهج موقفا دفاعيا ازاء القواعد المالية المتزايدة التي تفرضها العضوية في الاتحاد الأوروبي، وترى فيها تهديدا مباشرا لسيادتها الوطنية.

وقد أعلن أكثر من مرة رئيس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي استعداده لفرض ضريبة على المعاملات المصرفية حتى لو ادى ذلك الى حدوث مشاكل للتعاون الدولي.

نيويورك -طارق فتحي

(الوكالات)