الدعاء عبادة يجتمع فيها عدد من العبادات، وتضم عددا من الفضائل.. بها يتقرب العبد إلى ربه حتى يزيل عنه الكرب، ويُحقق له ما يتمنى، إلا أن كثيرين يدعون فلا يُستجاب لهم.. فما هي أسباب عدم استجابة الدعاء، وكيف تتحقق الإجابة؟.. «الدين والحياة» عرضت هذه التساؤلات على عدد من العلماء والمفكرين فإلى التفاصيل.
يقول د. مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقًا: للدعاء مكانة عظمية، ومنزلة رفيعة؛ حيث إنه يحتوي على أنواع عديدة من العبادات، وهو أمر قد لا يتوافر في أي عبادة أخرى؛ حيث يتضمن الدعاء التوكُّل على الله والاعتماد عليه في قضاء الحاجات، ورجاء استجابته ـ سبحانه وتعالى ـ للدعاء، وكذلك توجه القلب إلى المدعو وقصده بكليته، إضافة إلى الانكسار بين يدي الله ـ عز وجل ـ والتذلل له، وإظهار الفقر والحاجة إليه، فضلاً عن الخوف من عدم استجابته، والرهبة والخشية منه ـ تعالى ـ علاوة على محبة المدعو فإن النفس مولعة بمحبة من يُحسن إليها.
يشير إلى قوله تعالى: (أمن يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله. قليلاً ما تذكرون).. موضحًا أن الدعاء يحمل إقرارًا من قِبل الداعي أن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وإنه النافع والضار والمتفرد بإجابة الدعاء، وعند الاضطراب. يوضح الشكعة أن فضائل الدعاء أوردتها السنة النبوية المطهرة، فقد قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرَّب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة».
وقال أيضًا: «سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال ومَن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومَن قالها من الليل وهو موقنًا بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة».
ويضيف عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقًا أن كثيرين يدعون الله تعالى، ولا يجدون استجابة لدعائهم، وهذا قد يكون راجعًا لأسباب عديدة منها أن الدعاء يتضمن إثمًا أو قطيعة رحم، لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم»، كما أن الداعي قد يكون مُقصِّرًا في أداء حق الله تعالى الذي يستجيب لمن كان مؤديًا لحقه عز وجل، فلا بد أن يكون ملتزمًا بما أمر به، ومجتنبًا لما نهى عنه.
شروط الاستجابة
يشير المفكر الإسلامي د. عبدالفتاح عساكر إلى قوله عز وجل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، مضيفًا: «إن استجابة الدعاء مرهونة بأن يكون العبد بجوارحه كافة مع ربه سبحانه وتعالى، ولنا في زكريا ـ عليه السلام ـ عبرة، والذي قال عنه تعالى: (وهو قائم يُصلي في المحراب)، وهذه إشارة إلى الناس ليعلموا أن وسيلة إجابة الدعاء هي الانشغال بالله، وليس الدنيا أو الشهوات أو الناس».
ويؤكد ضرورة عدم استعجال الاستجابة للدعاء لقوله صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل»؛ لذا يجب ألا يستعجل الداعي الإجابة، ويكفي أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظل يدعو ربه بضعة عشر شهرًا؛ لكي يتفضل الله عليه بتغيير قبلته من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، حتى استجاب الله عز وجل حيث يقول في كتابه الكريم: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها).
يحذر عساكر من بعض السلوكيات التي يتبعها البعض في الدعاء، وقد تتسبب في عدم الاستجابة مثل سوء الأدب في الخطاب مع الله عز وجل، ومن صور ذلك رفع الصوت، النداء، الصياح، وعدم التضرع أثناء الدعاء، وكذلك الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه، إضافة إلى تكلُّف السجع وصنعة الكلام في الدعاء.
بدورها توضح د. آمنة نصير، أستاذ العقيدة بالقاهرة، أن الشك في إجابة الدعاء من أهم أسباب عدم استجابته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ».
وتوضح أن من أسباب عدم استجابة الدعاء غفلة القلب، الهوى، وانشغاله بالدنيا، وذلك على عكس من جعل قلبه لربه؛ حيث إنه يكون مستجاب الدعاء، فالله تعالى يحب أن يكون قلب عبده مع ربه بمعنى أن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل شيء.
وتشير إلى أنه على الداعي أن يتبع بعض الأداب حتى يُستجاب له منها تحري الأوقات الفاضلة للدعاء فهي أرجى من غيرها، مثل يوم عرفه فهو يوم عظيم يستجاب فيه، وكذلك شهر رمضان، خاصة في العشر الأواخر، إضافة إلى يوم الجمعة والتي بها ساعة لا يوافقها مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وهناك وقت الأسحار لقوله سبحانه وتعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون)، كما يجب على الداعي أن يتحرَّى الأماكن الفاضلة للدعاء مثل المساجد والمشاعر المقدسة مثل عرفة، المشعر الحرام، الجمرتين، جوف الكعبة، والصفا والمروة.
مكانة عظيمة
ويقول د. عبد الغفار هلال، عميد كلية اللغة العربية جامعة الأزهر سابقًا: «إن الله تعالى أمرنا بالدعاء، لقوله عز وجل: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى)، وقوله: (ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين)، وقوله تعالى: (واسألوا الله من فضله).. مشيرًا إلى أن ما يُبين مكانة الدعاء العظيمة، ومنزلته في القرآن الكريم هو افتتاح القرآن واختتامه به، فسورة الفاتحة تشتمل على نوعين من الدعاء هما دعاء «العبادة»، و«المسألة»، كما أن المعوذتين مبنيتان على الدعاء.
ويشير إلى أن كثيرًا من الناس يقولون «دعوت ولم يستجب لدعائي».. موضحًا أن عدم إجابة الدعاء قد ترجع لأسباب عديدة منها عدم التوبة عن المعاصي؛ حيث إن ذلك يُعد سببًا رئيسيًا في منع قبول الدعاء، وهناك أيضًا استحلال الحرام وأكله، فمَن استحل حرامًا وأكله لا يُجب له دعاء.
لذا يجب على الداعي أن يكون متجنبًا للحرام أكلاً، شربًا، لبسًا، وغذاءً؛ لأن الحلال له سر عجيب في قبول الأعمال عند الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين»، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم)، ثم ذُكر «الرجل يُطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يارب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك ؟».


