تجهل إدارات بعض شركات التطوير العقاري في الإمارات عموماً وفي دبي على وجه الخصوص بأنها بدأت تطبق سياسات تسويقية اشتهرت بها المقاهي في الوصول إلى السعر المستهدف من خلال حمل المشتري على خوض تجربة المقارنة السعري التي تؤدي في النهاية إلى هزيمته فيدفع ثمن القهوة المستهدف والمرتفع بكل زهو.
فتلك المقاهي لا تجهد نفسها كثيراً كي تجعل الزبون غير حساس تجاه أسعارها المرتفعة لأنها تطبق عليه إستراتيجية «إدانة الذات» فعندما يدخل زبون ما أحد تلك المقاهي تستقبله ابتسامة مصطنعة من النادل وهو يسأله عن نوع القهوة التي يريد تناولها، وعندما يختار سيسأله النادل هذه المرة السؤال الأهم:
أي حجم تطلب سيدي؟ فتنتقل عين الزبون إلى لوحة الأسعار التي تظهر له بأن الفارق بين الحجم الكبير والمتوسط ليس سوى درهم واحد وبين هذا الحجم والآخر الصغير درهم أيضاً، وهنا يتعرض الزبون إلى «قصف تسويقي» مدروس عبر قيامه بمقارنة سعرية سريعة بين إغراءات الحجم وبخس قيمة الفارق..! ليختار على الأغلب الحجم الأكبر، لأنه لا يريد أن يدين ذاته بالبخل أمام النادل على ألاقل.
هذا السيناريو يتكرر في صالات السينما أيضاً عندما يشتري رواد محبي الشاشة الفضية علب الفشار والمشروبات الغازية...
لقد باتت هذه السياسة التسويقية مطبقة على نحو واسع في العديد من شركات التطوير العقاري التي فقدت سلاح الندرة العقارية بسبب الزيادة الحالية في سوق المعروض ما جعل تلك الشركات - كي تبقى على قيد الحياة- لا تتأخر كثيراً في تحويل عقاراتها - المعروضة للبيع أو تلك التي تعثر أصحابها في سداد أثمانها- إلى سوق الإيجارات والتوجه بها إلى المستأجر - بدل المشتري المتوجس- وإغرائه بعقارات متنوعة المساحات مع فارق سعري ليس بالكبير في القيمة الإيجارية.
وشهدت الأيام القليلة الماضية قيام إحدى شركات التطوير العقاري بترحيل آلاف الشقق التي تعثر أصحابها في السداد إلى سوق الإيجارات بأسعار منافسة فيما قامت شركة أخرى قبل ايام بطرح عقارات أحد مشاريعها التي كانت مخصصة للتملك الحر إلى التأجير بنصف القيمة الإيجارية عما كانت عليه في العام الماضي.
فعرضت على المستأجرين في مدن مجاورة فللا سكنية على مقربة من مقر عملهم بغرفتي نوم مقابل 64 ألف درهم سنوياً ما يجعل المستأجر يخضع مباشرة لإستراتيجية «إدانة الذات» إذ كيف يسكن في الوقت الراهن في شقة سكنية بغرفتي نوم في مبنى قديم يتعرض لانقطاعات الكهرباء بعيداً عن مقر عمله على مسافة 60 كم ويدفع 64 ألف درهم؟
هذه الشركة صاحبة العرض المغري هي ذاتها التي رفضت العام الماضي تأجير مبان كاملة في المشروع ذاته لإحدى المؤسسات التي رغبت في ذلك لإسكان موظفيها على مقربة من مقر عملهم، وكان سبب رفضها في ذلك الوقت تمتعها بسلاح الندرة وتطبيقها إستراتيجية التعامل مع الزبائن الأغنياء فقط فباتت تبيع المشاريع على طوابير تزحف إلى مركز مبيعاتها منذ ساعات الفجر الأولى، فإكتشفت لاحقاً وبمرارة بأنها وغيرها كانوا لقمة سهلة في فم المضاربات.
وبأن 70% من أولئك «الأغنياء المزعومين» كانوا مضاربين مدعومين بالمال السهل الذي كانت البنوك تتراكض لمنحه للمقترضين بتكلفة متدنية جداً.
لقد وقعت أغلب الشركات العقارية ضحية عدم التفكير ملياً أو الإجابة عن سؤال يقول: إذا رفعت السعر فكم ستنخفض مبيعاتي؟ فضلاً عن أن تلك الشركات لم تتعامل مع الزبائن على أساس تفاوت مداخيلهم وملائتهم المالية.بل لجأت إلى الطرق الأقصر لتعظيم أرباحها عبر البيع «للمستعدين» لدفع أعلى سعر وعدم الاكتراث بمن «يقدرون» على دفع سعر أعلى.
ولا يعني قيام إدارة منتجع «دزني لاند» الأمريكية بخفض قيمة تذاكر الدخول بنسبة 50% حصرياً بالسكان على أنها إشارة تفضح فقر سكان ولاية الشمس المشرقة، لكن الإدارة كانت تعلم جيداً بأن التذاكر المخفضة السعر سوف تغري السكان على زيارة المنتجع بانتظام، في حين سيأتي السياح إلى المنتجع لمرة واحدة فقط سواء أكانت التذاكر رخيصة أم غالية.
فسياح برج خليفة يقفون في طوابير طويلة كي يتمكنوا من نيل «شرف» معانقة السحاب على قمة البرج ويدفعون ثمن التذكرة من دون أن يفكروا لحظة واحدة فيما إذا كانت غالية أو رخيصة ويتحملون عناء حجز التذكرة عبر الإنترنيت نظراً لأقبال السياح لكن إدارة البرج ؟ مثلاً - لم تفكر مرة واحدة بآلاف التلاميذ الصغار من سكان المدينة أو باقي الإمارات الذين لا يستطيعون دفع ثمن تلك التذكرة التي تباع لهم كما تباع للسياح...! وهنا الفرق في التعامل مع «المستعد» للدفع و القادر على أن يدفع.
دبي - مشرق علي حيدر