دعا البنك الدولي حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا «مينا» إلى تقليص فجوة التباينات المكانية وضرورة تعزيز الروابط بين المناطق الغنية والمناطق المحرومة اقتصاديا.

وقال تقرير للبنك بعنوان «بين فقر المكان وازدهار الشعوب: كيف يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تتجاوز التباينات المكانية «أن المناطق الفقيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتميز بقربها، حيث ان 61% من السكان يعيشون في مناطق تبعد ثلاث ساعات عن المدن الرئيسية داعياً إلى تعزيز العلاقات بين هذه المناطق والاستثمار في قطاعات رئيسية مثل النقل وتسهيل التجارة وتقنية المعلومات والاتصالات.

تعديل المسببات

وأشار التقرير الذي أطلق أمس من دبي من خلال مؤتمر احتضنته كلية دبي للإدارة الحكومية بحضور شمشاد أختار نائبة رئيس البنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وطارق يوسف عميد كلية دبي للإدارة الحكومية وإليكس كريمر معد ومؤلف التقرير إلى سعي حكومات المنطقة إلى تعديل المحركات السياسية المسببة للتباينات المكانية.

رداً منها على عدة مستجدات سردها التقرير بكونها تتعلق بزيادة مستويات البطالة بين سكان المدن إلى جانب سوء الأداء النسبي للاقتصاد القائم على التخطيط المركزي في أنحاء العالم ومحدودية قدرة البلدان غير المصدرة للنفط على دعم الوظائف العامة والإنتاج.

إضافة إلى انتشار وسائل الاتصال السلكي وللاسلكي والهجرة وأجهزة الإعلام، مما جعل سكان المناطق المتأخرة عن الركب أكثر وعياً بالفوارق المكانية.

وسرد التقرير والذي شمل «مناطق فقيرة وشعوبا مزدهرة معاناة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من التباينات المكانية الملموسة في مناخ الاستثمار وهو ما يمكن أن يؤثر في اختيار مكان النشاط الاقتصادي، داعياً صناع السياسات في البدء في تحقيق المساواة في فرص الاستثمار الخاص بأنحاء المنطقة من خلال إتاحة المزيد من الشفافية في تطبيق اللوائح التنظيمية للأعمال في المناطق الفقيرة».

وأكد التقرير على الدور الفاعل لشبكات الأمان الاجتماعي في التقليل من التباينات المكانية وتضييق الفجوة بين الأماكن الغنية والفقيرة.

ويقول التقرير إنه بات يتعين على صناع السياسات في المنطقة إزالة الفوارق التي يشعر بها سكان المناطق الثانوية ودمج البعد المكاني في إدارة الإنفاق العام وتعزيز شبكات التعليم والرعاية الصحية والأمان الاجتماعي لسكان المناطق الفقيرة، خصوصاً أن التباينات المكانية غالباً ما تكون تباينات اجتماعية.

أعداد الفقراء وليس نسبهم

وأكد التقرير ضرورة التركيز على أعداد الفقراء المطلقة لا على نسب الفقر ومعدلاته، فالتركيز على معدلات الفقر قد ينسينا ضخامة الأعداد المطلقة للفقراء الذين يعيشون في مناطق حضرية مكدسة بالسكان. فيما تختلف أهمية المكان في ما يتعلق بمستويات المعيشة باختلاف البلد، كما أن انعدام المساواة بين الريف والحضر لا يشكل في أي من بلدان المنطقة أكثر من 20% من إجمالي الفوارق في إنفاق الأسر.

ويرى التقرير أن كافة المناطق الفقيرة تستحق معاملة سياسية على قدم المساواة فيما يتعلق بفرص التنمية مما يقلل من حدة التباينات المكانية في مستويات المعيشة، مؤكداً أنه يجب ترك السوق هو من يحدد التوزيع المكاني للأنشطة الاقتصادية لضمان تحقيق كل المنافع الاقتصادية للمساواة المكانية.

إزالة التباينات الجوهرية في مناخ الاستثمار

تشير البيانات الخاصة ببلدان المنطقة التي رصدها تقرير البنك الدولي إلى وجود تباينات في مناخ الاستثمار يتألف من (السياق المؤسسي وقاعدة البنية الأساسية) والتي تؤثر في التوزيع المكاني للأنشطة الاقتصادية، حيث أظهرت الدراسة التي قام بها البنك وجود صلة مؤكدة ما بين التباينات المكانية في مناخ الاستثمار والتباينات المكانية في إنتاجية الشركات.

ويدعو التقرير صناع السياسات في البدء في تحقيق المساواة في فرص الاستثمار الخاص ذلك أن المناطق الفقيرة ليست كلها مؤهلة اقتصادياً للاستفادة من تحسين مناخ الاستثمار مع وجود تباين جغرافي بين دولة وأخرى.

إدارة الإنفاق العام لها بعد مكاني

ويقول التقرير إن أنظمة الإدارة المكانية للإنفاق العام للمنطقة تعد من المجالات التي ينبغي إعطاؤها أولوية في التحرك وخاصة أن معظم بلدان المنطقة لا تستطيع رصد المكان الذي تنفق فيه الحكومة المركزية الأموال مقارنة مع دول عديدة في العالم.

أن العديد من البلدان خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتمتع بأنظمة وقواعد لتتبع الجانب المكاني للإنفاق والتأكد من أن التحويلات الحكومية تعكس احتياجات مختلف المناطق، ولكن في ما يتعلق وهو ما يرى التقرير بأنه يمثل مشكلة في حد ذاته بالنسبة للسياسات المكانية إلى جانب ذلك.

فإن أنظمة تخصيص التحويلات المالية لأجهزة الحكم المحلي عادة ما تكون مشكلة وتكون النتيجة عدم مراعاة ارتفاع مستوى احتياجات المناطق الفقيرة أو قلة مواردها في أغلب الأحيان.

الإسكان في المنطقة يتسم بارتفاع الثمن

يشير التقرير إلى وجود أسواق أراض تؤدي وظيفتها بشكل جيد من أجل تحقيق التنمية الحضرية مع وجود دلائل على أن مثل هذه الأسواق في المنطقة لا تؤدي عملها على أكمل وجه، حيث يقول التقرير إنه وعلى الرغم من أن المعروض من المساكن في المنطقة يضاهي مثيله في بلدان أخرى تماثلها في مستوى التنمية إلا أن الإسكان في المنطقة يتسم بارتفاع الثمن.

فيما تبلغ مشكلة القدرة على تحمل الثمن أشدها لدى الأسر ذات الدخل المنخفض وعلى الرغم من أن الدعم الإسكاني يصل أحياناً إلى حد الضخامة في دول مثل الجزائر ومصر وإيران والأردن والمغرب وتونس واليمن إلا أن الأسر ذات الدخل المنخفض تجد صعوبة في تدبير الاستثمارات التي تجعلها قادرة على الحصول على هذا الدعم.

ويقول تقرير البنك الدولي ان استقصاءات آراء أصحاب المشاريع بالمنطقة تشير إلى أن الصعوبة في الحصول على الأرض تمثل واحدة من أبرز العراقيل التي تعوق القدرة على المنافسة. على الرغم من أن بلدان المنطقة تبلي بلاء حسناً حسب وصف التقرير في ما يتعلق بالوقت اللازم لشراء أراض أو عقارات، حيث إنها أسوأ من أي منطقة أخرى في العالم باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء في ما يتعلق بتكلفة التعاملات.

ويرى التقرير أن الأرض من أجل التحول الريفي تحتل كفاءة أسواق الأراضي الزراعية أهمية كبيرة في تسهيل انتقال العمالة من المجال الزراعي مستقبلا وزيادة عائدات من سيبقون يعملون منعم في الزراعة.

تحسين الربط بالمواصلات

تقوم البنية الأساسية للنقل والمواصلات ببلدان المنطقة أساسا على الطرق البرية وبشكل عام فإن شبكة الطرق الأساسية المترامية توفر ربطاً كافياً فيما بين المدن ولدى قياس تقرير البنك الدولي مستوى تغطية شبكات الطرق فقد وجد أن المنطقة تحتل مكانة جيدة بالمقارنة بغيرها من المناطق النامية، الواقع المتمثل يقول إن 61% من سكان المناطق المتأخرة يعيشون بالفعل على مسافة لا تزيد على الثلاث ساعات من إحدى المدن الكبرى.

وبالتالي يقول التقرير انه لا ينبغي على الحكومات أن تفترض أن الربط بين المدن المتباعدة يشكل عنصراً مهماً في مشكلة المناطق المتأخرة عن الركب، غير أن النظرة الإيجابية بشأن ترابط مدن المنطقة تخفي وراها مشكلة إلا وهي النزوع إلى التوسع في إنشاء الطرق الأرقى مستوى على حساب غيرها من استثمارات النقل العامة.

ويضيف التقرير أنه يمكن لنمط الإنفاق العام على المواصلات السائد بالمنطقة أن يستفيد من إعادة تخصيص الموارد بدلا من التوسع في شبكة الطرق الرئيسية المحلية وتحويلها لصيانة الشبكة الكاملة.

كما يسلط التقرير الضوء على مشكلة النقص في ربط المناطق الريفية حيث ان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعاني من إهمال نسبي للطرق الريفية إلا أن التقرير أشاد بالاستثمارات في الطرق الريفية والتي تمت مؤخراً في دول مثل المغرب واليمن مما كانت له آثار ملموسة وفعالة التكلفة على المناطق المتأخرة.

التقارب الإلكتروني أداة لدمج المناطق المتأخرة عن الركب

يقول التقرير ان العزلة عن عالم المعلومات تمثل جزءا من مشكلة المناطق المتأخرة وفي ظل انتشار الهواتف المحمولة والإنترنت ليصبحا وصيلة الاتصال الأولى سيصبح المحرومون منهما مهمشين تماماً. لذا، فإن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تتيح لصناع السياسات مجموعة من البدائل الجديدة لمحاربة التباينات المكانية.

ويشدد التقرير على ضرورة سد فجوة كفاءة السوق والتي تمثل الفرق ما بين المستوى الحالي لانتشار الخدمة وما يمكن تحقيقه في مناخ تنظيمي متحرر ومستقر.

ويقول التقرير إنه وعلى الرغم من تحرير الاتصالات في المنطقة، ما زال قيد التنفيذ، فإن رسوم الخدمة بصفة عامة ليست مرتفعة باستثناء المغرب ولبنان وبالتالي مشكلة المنطقة تكمن في سد الفجوة والقدرة على الحصول على الخدمة، ويؤكد التقرير أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تعتبر الأداء الأكثر كفاءة لتوفير البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخدماتها في المناطق ضعيفة الربحية وذات الكثافة المنخفضة.

شبكات الأمان الاجتماعي وتخفيف حدة التباينات

يشير التقرير الى أنه وعلى الرغم من وجود نوع ما من برامج شبكات الأمان الاجتماعي في العديد من بلدان المنطقة إلا أنه نادرا ما ينظر إليها باعتبارها عنصراً في سياسة مكانية ويؤكد التقرير على أنه إذا ما أجيد توجيه شبكات الأمان الاجتماعي فسيكون بإمكانها أن تقلل التباينات المكانية فيما تتسبب البرامج السيئة التوجيه في توسيع الفجوة بين الأماكن الغنية والفقيرة.

وفيما يتعلق بالإنفاق ودعم الطاقة والغذاء يمثل بفارق كبير أهم برامج التحويلات الاجتماعية في المنطقة ويضيف التقرير أنه وبالنسبة إلى صناع السياسات المعتمين بالمساواة المكانية فإن هناك جانبا سلبيا مهما في دعم السلع الأساسية ولا سيما دعم الطاقة الا وهو أنه تنازل بطبيعته فمن يستهلكون أكثر من غيرهم حسب قول التقرير هم من غير الفقراء من سكان المناطق المتقدمة وهم من يحصلون على نصيب الأسد من الدعم.

ويؤكد التقرير على أن الصناديق الاجتماعية وبرامج التحويلات النقدية المشروطة أكثر كفاءة في استهدافها للمناطق المتأخرة عن الركب.

حلول مقترحة

يخلص التقرير إلى أن التنمية المكانية تبدأ بتحديد واضح للأدوار والإجراءات المؤسسية فصنع السياسات المكانية أمر متعدد القطاعات والمؤسسات و«برنامج العملية» اللازم للتنمية المكانية يشمل وضع ترتيبات للمتابعة والتنسيق وتوزيع الموارد والتخطيط وتحديد الأدوار.

كما أن المنطقة بحاجة إلى التحليل والإحصاءات المكانية التفصيلية ولاسيما المصنفة تبعا للجنس ومن الضروري التأكد من أن التباينات المكانية تمثل حق قضية تنموية كبرى فكثير ما لا تتسم بالأهمية التي تصورها بها السياسة. وتشخيص حالة المنطقة المتأخرة عن الركب ضروري لتحديد حزمة السياسات الصائبة.

وأكد أن التنمية الجيدة هي التنمية الجيدة مكانيا ولابد للمناطق المتأخرة من أن تحظى بالمساواة في فرص التنمية وليس على الوزارات القطاعية سوى أن تلبي ببساطة واجباتها الأصلية في توفير بيئة عمل وخدمات إيجابية للفقراء كي تقوم بدورها كاملا في تحقيق أهداف التنمية المكانية القومية وتعليم البنات ومن شأن إزالة التباينات المكانية في بيئة الأعمال أن تحقق فوائد جمة بتكلفة زهيدة للغاية.

كما يدعو إلى إتاحة الخدمات الاجتماعية بالمناطق الفقيرة وإيجاد الحوافز الكفيلة بتشجيع الأفراد الأكفاء على العمل بالمناطق المحرومة وتشجيع الفقراء على الاستفادة من الخدمات العامة وتفصيل آليات تقديم بما يلائم المناطق ذات الكثافة المتدنية والاكتفاء ببناء مزيد من المنشآت لن يحل المشكلة واكد أهمية دعم السلع الأساسية والاستثمار في مد الطرق الريفية الفرعية وصيانة الطرق والمواصلات العامة بين المناطق الحضرية واللوجستيات الحدودية أو حلقات الوصل الدائرية في الأحزمة الحضرية علاوة على تحسين تنظيم الشركات العاملة في مجال المواصلات.

ويبقى على حكومات المنطقة أن تشجع الاستثمار الخاص والابتكار في مجال الاتصالات الإلكترونية مما يتيح أمام المناطق المتأخرة إمكانيات جديدة للحصول على مزايا القرب.

كما يدعو إلى ضرورة التنسيق بين مختلف الأطراف الفاعلة من أجل تسهيل اهتمام القطاع الخاص بالإمكانيات الكامنة لكل منطقة، أما محاولات استغلال الحوافز المالية في جر الاستثمار الخاص إلى المناطق المتأخرة، فإن سجلها سيئ للغاية، وقد يكون التكتل جزءاً لا مفر منه من عملية النمو لكن باستطاعة الحكومات أن تخفف من أثر التباينات المكانية. إنها مسألة مفاضلة بين السياسات.

دبي ـ كفاية أولير وعلي الصمادي