هل تحتاج منطقة اليورو الى حكومة اقتصادية؟ .. سيرد الفرنسيون قائلين (نعم) أما معظم الالمان فسيقولون (لا .. شكرا).وفي ما وراء الجهود العاجلة لاضفاء مزيد من الانضباط المالي للتغلب على أزمة الديون السيادية في أوروبا يدور الكفاح بشأن مستقبل منطقة العملة الموحدة حول فكرة ايجاد سلطة سياسية لتنسيق السياسات الاقتصادية الوطنية.
يرى الكثيرون خارج أوروبا - الولايات المتحدة والصين وصندوق النقد الدولي - أن الازمة كشفت عن عيوب هيكلية في الوحدة النقدية الاوروبية التي تأسست قبل 11 عاما وأظهرت الحاجة لوحدة اقتصادية وسياسية أعمق تدعم تلك الوحدة النقدية.
ويريد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من زعماء الست عشرة دولة التي تستخدم اليورو عقد اجتماعات قمة بشكل دوري تخصص لها أمانة عامة يقول الفرنسيون انها ستطور سياسات اقتصادية واجتماعية ومالية مشتركة.
وقال ساركوزي للصحفيين في مارس (قبل أشهر قليلة كان من الصعب حتى أن تتفوه بكلمة (حكومة اقتصادية) في منطقة اليورو ... أما الان فقد تبنتها منطقة اليورو.)وعلى مضض وافقت المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل على الفكرة للمرة الاولى في فبراير لكنها أصرت على أن أي (حكومة اقتصادية) يجب أن تضم جميع دول الاتحاد الاوروبي البالغ عددها 27 دولة لتفادي وقوع انقسامات جديدة كما أنها يجب ألا تؤدي الى بيروقراطية جديدة.
ومن وجهة النظر الالمانية فان الهدف هو الترويج لسياسة مالية جديدة والضغط على الدول المتقاعسة لتنفيذ اصلاحات هيكلية في أنظمة المعاشات وأسواق العمل لرفع القدرة التنافسية لاقتصاداتها.
محادثات برلين
وبعد محادثات في برلين الاسبوع الماضي بدا رئيس المجلس الاوروبي هيرمان فان رومبوي مقتنعا بوجهة نظر ميركل وذكر أن دولا لا تستخدم اليورو مثل بريطانيا مرتبطة اقتصاديا وماليا بشكل وثيق بمنطقة اليورو.
وقال (نحتاج الى مؤسسات جديدة لتحقيق أهدافنا. نحتاج مزيدا من الفاعلية.)
لكن من المرجح أن أي مبادرة من هذا النوع ستعتمد عمليا على منطقة اليورو فقط بعدما قالت بريطانيا بقيادة حكومة جديدة يرأسها المحافظون المتشككون في أوروبا انها لن تشارك في أي تكامل أوثق للسياسات الاقتصادية.
ويسعى الفرنسيون لانشاء (حكومة اقتصادية) منذ فترة طويلة حتى قبل ميلاد العملة الموحدة ويريدون توحيد كل شيء من ساعات العمل حتى ضرائب الشركات.وسعت الحكومات المتعاقبة التي تنتمي لليسار واليمين الى ايجاد ثقل سياسي مواز لثقل البنك المركزي الاوروبي المستقل.
وهذا بالتحديد هو ما يزعج ألمانيا اذ ترى برلين أن البنك المركزي الاوروبي يجب أن يكون مستقلا تماما عن الحكومات وبتفويض وحيد هو ضمان استقرار الاسعار على غرار البنك المركزي الالماني.
وقال يواكيم فرتز فانهام مدير المشروعات في البرنامج الاوروبي بمؤسسة برتلزمان في ألمانيا (عندما سمع الالمان الفرنسيين يتحدثون عن حكومة اقتصادية شعروا أن الامر شديد الخطورة بسبب اعتقادنا التقليدي أنه لا يمكن أبدا التشكيك في استقلالية البنك المركزي.)لكنه قال ان المؤسسة السياسية في ألمانيا أدركت خلال الازمة أن أوروبا تحتاج لوحدة اقتصادية أكثر متانة رغم أنهم مازالوا يشعرون بحساسية تجاه فكرة تقديم مساعدات مالية الى الدول الافقر في منطقة اليورو.
وتتفق معظم دول منطقة اليورو الآن على الحاجة لمراقبة أقوى للاقتصاد الكلي من أجل تفادي الازمات مستقبلا بحيث تتجاوز الماليات العامة للتصدي لمخاطر أخرى مثل اسراف القطاع الخاص في الاقتراض وفقاعات أسعار الاصول والاختلالات الاقتصادية.
ويقول جان بيساني فيري مدير مؤسسة بريجيل للابحاث الاقتصادية ان أوروبا تستطيع من خلال رفع مستوى تنسيق السياسات الاقتصادية سد الفجوة المتزايدة في القدرة التنافسية بين الدول الغنية في الشمال وباقي دول منطقة اليورو.وسيتطلب ذلك من برلين تغيير سياساتها الخاصة بالاجور وخفض الاستهلاك المحلي والتي تهدف الى دعم الصادرات.
وقال (المشكلة هي أن الالمان لا يريدون تحمل مسؤولية استقرار الاقتصادات الاخرى كما فعلت الولايات المتحدة الامريكية على مدى عشرات السنين ... ليسوا مستعدين بعد لتحمل التكاليف السياسية لهيمنتهم.)
سياسة صناعية فعالة
ويرى بعض الفرنسيين أن أي (حكومة اقتصادية) ينبغي أيضا أن تحافظ على سعر صرف لليورو يشجع الصادرات وأن تسعى لوضع سياسة تدخل صناعية فعالة.وقال مسؤول كبير بالحكومة الفرنسية متخصص في العلاقات الفرنسية الالمانية (نحتاج على الاقل لحد أدنى من الانسجام بين تكاليف العمالة والضرائب في منطقة اليورو ...
سيكون علينا أيضا التعامل مع السياسة الاجتماعية يوما ما.)وتتعارض هذه الافكار تماما مع مصلحة الدول ذات الضرائب المنخفضة في منطقة اليورو مثل أيرلندا وسلوفاكيا والتي تزدهر بفضل هذه الميزة الضريبية والدول التي تصر على أن فرض الضرائب شأن وطني مثل بريطانيا وهولندا.
كما أنها لا تلقى استحسانا من أحزاب يمين الوسط الحاكمة في ألمانيا خاصة الحزب الديمقراطي الحر الموالي للاعمال والذي يتهم فرنسا باتخاذ اجراءات حمائية والتدخل في اقتصاد السوق.
وقال رئيس وزراء أوروبي سابق ينتمي لتيار الوسط طلب عدم نشر اسمه ان أي (حكومة اقتصادية) قد تضع حدا أدنى وحدا أقصى للضرائب على الشركات والرسوم والمزايا الاجتماعية - كما هو الحال في الاتحاد الاوروبي حاليا بالنسبة لضريبة القيمة المضافة وضرائب الوقود - للحفاظ على تنافسية اقتصادات منطقة اليورو.
من ناحية أخرى يمكن (لحكومة اقتصادية) أن تطلق جهودا سياسية لتعزيز السوق الاوروبية المشتركة في قطاعات مثل الخدمات والطاقة حيث مازالت هناك حواجز تحميها مصالح الشركات والاتحادات التجارية، والمشكلة هي أن لا الفرنسيين ولا الالمان يريدون ذلك.
فرنسا وألمانيا الأكثر تضرراً بالديون
قالت صحيفة أميركية إن البنوك الفرنسية والألمانية تعتبر الأكثر انكشافا على أزمة الديون الأوروبية حيث يصل حجم ديونها للاقتصادات الضعيفة في منطقة اليورو نحو تريليون دولار.ونقلت نيويورك تايمز عن تقرير لبنك التسويات الدولي ومقره بازل بسويسرا أن البنوك الفرنسية قدمت قروضا بلغت قيمتها 493 مليار دولار لإسبانيا واليونان والبرتغال وأيرلندا حتى نهاية 2009.
بينما وصلت قيمة القروض الألمانية 465 مليار دولار. وكان جزء من القروض حكوميا، وتتحمل البنوك الفرنسية منها 106 مليارات دولار في حين تتحمل البنوك الألمانية 68 مليار دولار.وبالنسبة لقروض القطاع الخاص بإسبانيا واليونان والبرتغال وأيرلندا فقد أصبحت تثير القلق أيضا، إذ إن الخطط الحكومية فيها والوضع الاقتصادي الضعيف سيجعل من الصعوبة بمكان تسديد الشركات والأشخاص لقروضهم.
ولم تعد مخاطر انعكاس أزمة الاقتصادات الضعيفة مقصورة على فرنسا وألمانيا فقط، فالبنوك البريطانية تتحمل قروضا وصلت 230 مليار دولار لأيرلندا، بينما قدمت إسبانيا ذاتها قروضا تصل قيمتها 110 مليارات دولار للقطاع الخاص في البرتغال.وطبقا لتقرير بنك التسويات الدولي فإن حجم انكشاف البنوك الأميركية على ديون إسبانيا واليونان والبرتغال وأيرلندا يصل إلى أقل من 200 مليار دولار.
وقالت الصحيفة إن التقرير سلط الضوء على مكامن الخطر التي تسببت فيها الاقتصادات الضعيفة بمنطقة اليورو مثل إسبانيا وغيرها، لكنه ترك الباب مفتوحا أمام أسئلة عن البنوك التي تعتبر الأكثر تعرضا للخطر بسبب هبوط أسعار السندات السيادية أو بسبب عدم استطاعة الشركات أو الأشخاص تسديد القروض بسبب الأزمة.
ولم يكشف بنك التسويات الدولي عن المؤسسات الفردية التي تتحمل الديون بما يتماشى مع سياسته الخاصة السرية.
وكانت مسألة الكشف عن الديون غير متساوية بالنسبة للبنوك. وقالت مؤسسة هايبو ريل إستيت هولدنغ للقروض العقارية ومقرها ميونخ بألمانيا إن ديونها لليونان وإسبانيا والبرتغال وأيرلندا إضافة إلى إيطاليا تصل إلى أكثر من 80 مليار يورو (97 مليار دولار).أما بنك دويتشه فقال إن مجمل قروضه لليونان تصل 500 مليون يورو (609 ملايين دولار) لكنه لا يتحمل أي ديون إسبانية أو برتغالية.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن مئات البنوك الصغيرة الأخرى في بلدان مثل ألمانيا وإسبانيا لم تفصح عن حجم الديون التي تتحملها.وقال جاك كايلو الاقتصادي برويال بنك أوف سكوتلاند إن من المفيد الكشف عن معلومات لدى البنوك والمؤسسات المالية بشأن القروض.
وكان رويال بنك أوف سكوتلاند قال في تقرير أصدره الشهر الماضي إن حجم انكشاف البنوك بمنطقة اليورو على إسبانيا وأيرلندا والبرتغال واليونان يصل 6 .1 تريليون دولار، وتمثل هذه القروض الحكومية أو قروض الشركات أو الأشخاص بالدول الأربع. وتمثل حصة البنوك الألمانية والفرنسية فيها 61%.
(وكالات)
