لم يأت اختيار مدينة الاسكندرية عاصمة للسياحة العربية لعام 2010 من قبل المجلس الوزاري العربي للسياحة مجاملة لجمهورية مصر العربية باعتبارها أكثر وزناً على الساحتين العربية والدولية، بل إن اختيار هذه المدينة الرائعة ضمن 12 مدينة عربية تقدمت لهذه المسابقة كان اختياراً صائباً 100؟، نظراً لما تمتلكه هذه المدينة التاريخية التي بناها الاسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد من مقومات سياحية وتاريخية قلما نجد لها مثيلاً في العالم أجمع.

وتعد الاسكندرية العاصمة الثانية لجمهورية مصر العربية، نظراً لموقعها الاستراتيجي ومناخها المعتدل وشواطئها الناعمة التي تغطي مساحة شاسعة. واستحقت الاسكندرية أن تنال لقب لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط، وأن يتم اختيارها عاصمة للسياحة العربية لعام 2010.

لقد شكلت الزيارة التي نظمتها مجلة «سواح» السعودية للقيادات الإعلامية الخليجية فرصة مهمة للاطلاع عن كثب على معالم هذه المدينة الرائعة، التي تعد واحدة من أقدم وأعرق المدن العربية التي امتزج بها العديد من الحضارات، ما جعلها تزخر وتنفرد بالكثير من المواقع الأثرية والثقافية الفريدة والمتميزة، إضافة إلى برامج السياحة الترفيهية وسياحة المؤتمرات والمهرجانات والمعارض والسياحة البحرية.

مطاعم ومقاهي

عند بدء الجولة من الطرف الشرقي لميناء الاسكندرية البحري، ولا سيما بجوار المنطقة المحاذية لمكتبة الاسكندرية، تجد بعض المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية مثل مطعم «راكودا» الذي يطل على البحر مباشرة، وبالقرب من الجهة الغربية من تلك المنطقة ستجد مدرسة سان مارك التاريخية.

وإذا اتجهت إلى منطقة كامب شيزار سترى مجموعة من المطاعم التي تقدم الأطعمة المحلية؛ مثل مطعم «أبو ربيع» الذي يشتهر بكونه ملك الفول المدمس والفلافل، ومقهى كارلوس في سيدي جابر مقصد الشباب والكثير من أهالي الاسكندرية.

وإذا واصلت التقدم في السير باتجاه الشرق فستجد نفسك في منطقة «رشدي»، التي تزخر بالعديد من المطاعم والمقاهي، وتعتبر من أكثر الأحياء حيوية ونشاطاً، وتشتهر بالمطاعم التي تقدم الوجبات السريعة، بالإضافة إلى بعض المطاعم الشهيرة مثل ابن البلد وملك المشويات و«مينوش» الذي يشتهر بالبيتزا المحلية.

وعند التقدم في السير سوف تمر على «كوبري ستانلي»؛ هذه التحفة المعمارية ببرجيها العاليين الواقعين على جانبي «الكبري» واللذين يحولان كورنيش الاسكندرية في المنطقة المذكورة إلى نهار من الأضواء الباهرة التي تعكس البهجة على البحر ليلاً في صورة فنية ساحرة ورائعة الجمال.

يليه منطقة «سان استيفانو» الراقية، حيث فندق «فور سيزونز» ومجمع «سان ستيفانو» الذي يضم مركزا تجاريا وقاعات سينما. وبجواره مباشرة مقهى «ستار باكس» الشهير بفروعه المتعددة في جميع أنحاء مصر، والذي يتميز بمساحته الكبيرة والمكشوفة على شاطئ «فور سيزونز».

الشوارع القديمة

ومن الملاحظ أنه على الرغم من التغير الكبير الذي شهدته مدينة الاسكندرية، فإن العديد من أزقتها وشوارعها لم تزل تحتفظ بطابعها القديمالذي يروي ويفصح عن تاريخ تلك المدينة العريقة، والكثير من الأحداث التي تقف تلك الشوارع شاهداً عليها.

المعالم الأثرية

كلما اتجهت شرقاً في شارع الحرية فسوف تصل إلى المتحف اليوناني الروماني، يليه الحي اليوناني لمدينة الاسكندرية والذي يتميز بطابع معماري فريد، وتجد أيضاً عدداً لا بأس به من الفيللات والمباني التراثية؛ مثل مبنى «ميكلافذ» الضخم، وعلى مقربة منه مجمع «أدا» الذي تم بناؤه عام 1929، وقد عاش بهذه المنطقة طبقة ثرية من اليونانيين في مطلع القرن الماضي، ولا تزال شوارعها تحمل نفس أسماء الحكام البطالمة والفراعنة والعباسيين والفاطميين.

الاسكندر الأكبر

ويعتقد البعض بأنه قد تم دفن «الاسكندر الأكبر» جنوب نقطة التقاء شارعي الحرية والنبي دانيال، غير أنه لم يتم تحديد مكان مقبرته، ومن المرجح أن تكون أسفل مسجد النبي دانيال أو بالقرب من المقبرة اليونانية. كما يعتقد بأن مكتبة الاسكندرية القديمة كانت تقع على مقربة من هذا المكان، ويعد المسرح الروماني والحمامات الرومانية الآثار الرومانية الوحيدة التي لا تزال قائمة حتى الآن.

وتجد في الناحية الشرقية حي العطارين؛ حيث تباع التحف والكتب والأسلحة القديمة والأثاث، والتي يعود تاريخ بعضها إلى العصر «النابليوني»، وقد شيد في هذه المنطقة مسجد العطارين الذي عرف بمسجد «الألف عمود»، وكان المسجد قديماً كنيسة مهداة للقديس اثناسيوس عام 370 ميلادية، وقد تم تحويلها إلى مسجد عقب الفتح الإسلامي لمصر.

قصر المنتزه

لا أخفي أن عينيي قد دهشتا وأنا أعود إلى قصر المنتزه بعد 34 عاماً من زيارتي الثانية إلى مصر، ففي ذلك التاريخ، وبالتحديد في أبريل من عام 1976، كلفت من قبل جريدة «الوحدة» التي كنت أعمل بها بتغطية مؤتمر اقتصادي بفندق فلسطين الذي بقي محافظاً على شكله الخارجي حتى اليوم، وقد شيد هذا القصر «محمد علي باشا» ليكون مقراً صيفياً لأسرته لقضاء أشهر الصيف الحارة، وحتى جلوس الملك فاروق على العرش ظل قصر المنتزه مقراً لاصطياف الأسرة الملكية.

وتكمن روعة القصر في موقعه الفريد على شاطئ الاسكندرية، حيث بني فوق هضبة مرتفعة تحوطه الحدائق والغابات، كما تجمع عماراته بين الطرازين الفرنسي والعثماني الإسلامي.

ومن المعالم الأثرية الباقية في قصر المنتزه برج الساعة وكشك الشاي الذي بني على الطراز الروماني والمطل على شاطئ البحر ليتناول فيه الملك والحاشية «شاي العصاري».

ويتبع قصر المنتزه قصران آخران يشبهانه في الطراز والمعمار النادر، أولهما قصر «الحرملك» الذي تم تشييده على الطراز الإيطالي في عام 1927 في عهد الملك فؤاد ليقيم فيه حريم الملك ونساء الحاشية التابعة للأسرة الملكية، والثاني قصر «السلاملك» الذي بني عام 1890 في عهد الخديوي عباس حلمي على الطراز النمساوي والذي تحول إلى فندق سياحي فاخر.

«المدينة التركية»

وتقع المدينة التركية بين ميناءي الاسكندرية، وتعتبر أقدم منطقة في المدينة، وهي المنطقة التي تحيط بمسجد «المرسي أبو العباس» ومناطق الأسواق والبازارات التي تضم مسجدي الشوربجي وإبراهيم تربانا. والمنطقة السكنية المتمركزة حول أحياء شارع رأس التين، والذي يتميز بالطابع المعماري لهذه المنطقة بطابع فريد يجمع بين الفن الإسلامي والعثماني الكلاسيكي.

«دار الأوبرا»

لقد كنت محظوظاً جداً بزيارتي والوفد الإعلامي لدار الأوبرا في الاسكندرية «مسرح سيد درويش»، ولم أستطع إخفاء سعادتي لأن تلك الليلة كانت ليلة أغاني السيدة أم كلثوم، التي أعتبر واحداً من المتعصبين لفنها وطربها. مجموعات من الفتيات الرائعات صدحن تلك الليلة بأغانٍ جميلة تذكرنا بالزمن الجميل «أنا في انتظارك»، «عودت عيني»، «أنساك دا كلام»، وغيرها من الأغنيات التي لا نزال نتمايل برؤوسنا طرباً عند سماعها.

وكانت دار الأوبرا تُعرف في البداية باسم مسرح محمد علي، ثم مسرح سيد درويش، وقد تم بناؤها في الفترة بين عامي 1921 و1928 بتصميم إيطالي تزينه الزخارف الفريدة ذات الطابع الكلاسيكي الأوروبي، وقد استطاع هذا المسرح في عصره الذهبي أن يجذب إليه عدداً كبيراً من فرق الأوبرا العالمية.

مكتبة الاسكندرية

ومن الأماكن الرائعة التي تضمنها جدول زيارة الوفد الإعلامي الخليجي مكتبة الاسكندرية، التي أسهمت الإمارات وعدد من الدول العربية والأجنبية في تكاليفها، وتعتبر مكتبة الاسكندرية الجديدة التي تم افتتاحها عام 2002 صرحاً شاملاً للعلم والمعرفة.

ويضم هذا المجمع الثقافي الضخم مركزاً للمؤتمرات وقبة سماوية ومكتبة قادرة على استيعاب ملايين الكتب و6 مكتبات متخصصة و4 متاحف وقاعة استكشاف لتعليم الأطفال و9 معارض دائمة و4 قاعات للمعارض الفنية المؤقتة و8 مراكز للبحث الأكاديمي.

المجوهرات الملكية

ويشكل متحف المجوهرات الملكية بالاسكندرية الذي كان ضمن جدول الزيارة أحد أفضل الأماكن التي يستمتع بها زوار الاسكندرية من أجانب وعرب. ويضم المتحف مجوهرات يرجع تاريخها إلى فترة حكم محمد علي وحتى عصر الملك فاروق، ويمكن للزائر أن ينظر عن كثب إلى مجموعة من المجوهرات النفيسة والمصوغات المرصعة بقطع الألماس وساعات اليد القديمة والقلادات المرصعة بالجواهر واللوحات الفنية النادرة.

قلعة قايتباي

تُعد قلعة قايتباي تحفة معمارية من العصر المملوكي أنشأها السلطان قايتباي عام 1477 هجرية على جزيرة فرعون لصد الهجوم الخارجي عن الاسكندرية، وقد تم بناؤها لتحل محل منارة الاسكندرية؛ إحدى عجائب الدنيا السبع التي تلاشت عبر الزمن. وتضم القلعة المتحف الحربي الغني بمقتنياته الأثرية، بالإضافة إلى الأحياء البحرية.

مشاريع سياحية كبيرة

كشفت الإسكندرية وبمناسبة اختيارها عاصمة للسياحة العربية في عام 2010 عن مخطط لإنشاء القرية العربية على أرض الإسكندرية وبمساحة كبيرة وباستثمارات سعودية وعربية بحيث يخصص لكافة الدول العربية مساحة في هذه القرية يمكن استثمارها على شكل معرض ثابت للدولة تعرض فيها الفرص الاستثمارية والمشاريع المختلفة الموجودة وسيشكل نواة لعمل سوق وملتقى عربي مشترك نستطيع من خلاله تحقيق العديد من الخطوات التجارية والمستقبلية.

وتمتلك المدينة آثاراً عديدة غارقة في البحر تقدر بأكثر من 6000 قطعة أثرية وكما يقال إن المدينة قائمة على الآثار وبها مواقع سياحية وتاريخية مختلفة لعل أهمها مكتبة الإسكندرية التي تعد من أكبر المكتبات على مستوى العالم ولقد تم تحديثها وتطويرها خلال السنوات الفائتة وتستقبل آلافا من الزوار بشكل يومي.

مشيراً إلى أن الإسكندرية حصلت على العديد من الجوائز السياحية على كافة المستويات لعل آخرها جائزة السياحة البيئية وتسعى المدينة لتسويق المقومات السياحية المختلفة في كافة الدول العربية، إضافة إلى طرح المشاريع الاستثمارية سواء في القطاع السياحي أو الفنادق معتمدة على خطة تسويقية جيدة تعمل على ترويج وتسويق المقومات السياحية والتاريخية إلى مختلف دول العالم لأن مكانة المدينة وتاريخها لا يتناسبان مع أعداد السياح الذين لا يتجاوزون 400 ألف سائح سنوياً من معدل السياح والزوار الذين يأتون إلى مصر وتعمل المدينة حاليا على تحديث وتطوير شامل للمطار القديم.

الاسكندرية ـ أحمد محسن