الماء من صفاته أنه عديم اللون، فإذا ما أنزل إلى الأرض تحولت إلى اللون الأخضر، لأن الله تبارك وتعالى خلق هذا الكون وفق نواميس وقواعد علمية دقيقة فقد جاء القرآن الكريم زاخرا بالآيات والنصوص التي تشير إلى حقائق كونية وظواهر حياتية ومنها الآية الكريمة (ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) ( الحج 63 ) فهي لؤلؤة من لألئ القرآن الكريم لو وضعتها تحت الضوء لأعطاك كل وجه من وجوهها طيفا جميلا من الإعجاز والحقائق العلمية !!

فتلون مساحات لا حدود لها من الأرض باللون الأخضر يأخذ بأيدينا إلى عالم من الظواهر المذهلة حقا..

(عديم اللون) صفة من صفات الماء فإذا ما انزل إلى الأرض تحولت إلى ما يشبه سجادة خضراء تزينها الألوان الأخرى.. وهذه الحقيقة أول ومضة علمية تنبعث من لؤلؤتنا تحت الدراسة..

فلنتأمل كيف يحقق الله تبارك وتعالى اخضرار سطح الأرض وبهذه السهولة وهذه الديمومة على مر العصور والأزمان؟

وفقا للتقدير الإلهي فالمادة التي تعطي اللون الأخضر (اليخضور) تنتج في مصانع عملاقة هي البلاستيدات الخضراء التي لا توجد إلا في الخلايا النباتية، وقد وجد العلماء أن هذه الصفة هي أهم ميزة تمتاز بها عن الخلايا الحيوانية ويعتبر ربط اخضرار الأرض بالخلايا النباتية الخضراء ومضة علمية تبعث بها الآية اللؤلؤة!!

هذه الخلايا تنتجها الأجنة النباتية الموجودة أصلا في بذور جافة من الموسم السابق، كان الله تبارك وتعالى قد ذرأها في الأرض وبأعداد هائلة لا حصر لها وهيأها للمباشرة بالنمو مع أول زخة مطر !!

من الحقائق العلمية التي يحملها الطيف المنبعث من هذه اللؤلؤة المباركة أن هناك علاقة علمية جوهرية بين الماء وبين تلك الأجنة، فلقد وجد العلماء أن الاخضرار الذي نشاهده عقب سقوط المطر يسبقه الكثير من الفعاليات الحيوية التي تبدأ خلال الساعات الأولى من ملامسة البذور للماء، فهو يلعب أدوارا مهمة في مباشرة الجنين نموه الذي يؤدي إلى نمو الجذر إلى الأسفل والساق إلى الأعلى ليبدأ تكوين المجموع الخضري الذي يبدأ فور تعرض خلاياه للضوء بتخليق اليخضور والذي بدوره يعطي الاخضرار للأرض..

لو سلطنا الضوء على وجه آخر من وجوه لؤلؤتنا النفيسة لأشع بعدد من الحقائق العلمية وأولها التأكيد على العلاقة الجوهرية والعلمية بين الماء وخضرة الأرض قبل أن يدركها الإنسان بأكثر من 14 قرنا..

لقد وجد العلماء أن اليخضور (الكلوروفيل) لا يتم تخليقه إلا بوجود الماء وهذه الحقيقة تؤكد أن الفاء في (فتصبح) لم تكن لتخلو من معاني السببية بالإضافة إلى التعقيب !!

ولكن هل يتكون اليخضور بصورة منتظمة ووفق أسس علمية أم أنه يتكون صدفة وبصورة عشوائية ؟

الجواب هو حقيقة علمية أخرى: أنه يتكون وفق أسس علمية غاية في الدقة ويعتبر تخليقه معجزة كبرى فهناك عدد هائل من التفاعلات التي تجريها الخلية النباتية ويدخل فيها الضوء والماء حتى يتكون جزئ واحد من اليخضور، ومعلوم لدى قارئ الكريم أن أي تفاعل كيماوي لا يحدث إلا وفق موازين وقواعد غاية في الدقة فانظر عظمة الخالق جل في علاه !!

فإذا كانت الخلية النباتية كلها بما تحوي من مكونات لا نستطيع رؤيتها بالعين المجردة فكيف يجزئ اليخضور ؟؟

هل يمكننا معرفة عدد الخلايا النباتية وعدد التفاعلات الخاصة بتخليق اليخضور اللازمة لتغطية متر مربع واحد من الأرض بالنسيج النباتي الأخضر؟ إنها أرقام خيالية فكيف بالآلاف أو ملايين الكيلومترات المربعة ؟

وتأمل معي في الأفعال الواردة في الآية ف(أنزل) كان بزمن الماضي

و(تصبح) بزمن المضارع فسنجد في ذلك حكمة تتمثل بأن يظل أثر فعل إنزال الماء زمنا بعد حدوثه كما يقول المفسرون رحمهم الله، وأنا أضيف أن ذلك له بعد آخر هو التقدير المحكم لله تبارك وتعالى وهو تكرار الظاهرة بمعنى أنه كلما أنزل الله تبارك وتعالى من السماء ماء فلا بد أن تصبح الأرض مخضرة !!

فمن وضع ذلك التقدير (التصميم) الذي يضمن أن تخضر الأرض كلما نزل المطر ومنذ أن خلق الله تبارك وتعالى الأرض وحتى تقوم الساعة..

هل يعني هذا سوى أن النظام الحياتي المعتمد على الماء والأجنة واليخضور منضبط تماما بحيث يستمر ويبقى لآلاف السنين ؟؟

وإذا كان إنتاج أنسجة نباتية خضراء تعطي سطح الأرض اخضراره وباستخدام مادة عديمة اللون كان الأمر مذهلا!! فإن الخواص الفريدة لتلك المادة الأعجوبة لهو أشد إذهالا !! فاليخضور هي المادة الوحيدة التي أهلها الله تبارك وتعالى و(حصريا) لصنع الطاقة التي يحتاجها الكائن الحي !!

إنها المادة التي تستطيع تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كيماوية عبر سلسلة طويلة من التفاعلات قد يصل عددها إلى خمسين تفاعلا كيماويا لإنتاج جزئ واحد من سكر العنب (الكلوكوز) يتراكم في الأنسجة النباتية فإذا ما تناولها الإنسان أو الحيوان أمدته بالطاقة اللازمة لحياته فتأمل عظمة الخالق جل وعلا.

الكائنات الحية جميعا باستثناء النبات لا تستطيع صناعة الطاقة ذاتيا بل تعتمد في ذلك على النبات في سلسلة معروفة باسم سلسلة الطاقة !! وهكذا يتضح لنا أن اليخضور هو أساس الحياة على الكرة الأرضية ومرتكزها العلمي !!

(إن الله لطيف خبير)، اللطيف في اللغة هو الذي اجتمع له الرِّفق في الفعل والعلمُ بدقائق المصالح وإيصالها إلى من قدّرها له من خلقه) وهل هناك أرفق وألطف ممن يسخر النباتات لتصنع الطاقة لعباده فيأكلوا منها ويرعون أنعامهم ثم يأكلون لحمها ويشربون لبنها غذاء لأجسامهم؟. بل من لطفه تعالى أن جعل حصول بني البشر على الطاقة ليس أمرا ميسورا فحسب بل مصحوبا بطعم لذيذ مستساغ ليشكل تناول النباتات وما تنتجه من ثمار لطيفة الشكل واللون وذات طعم محبب إليهم ضربا من ضروب سعادتهم وهكذا الأمر في تناول الإنسان لحوم ومنتجات الحيوانات التي تعتمد في حياتها على النبات..

عبدالقادر إسماعيل حسين