تسببت سحابة الدخان التي أطلقها بركان ايسلندا في خسائر جسيمة لقطاع الطيران المنهك بالأزمات تجاوزت 2 مليار دولار، حيث عطلت أكثر من 100 ألف رحلة و10 ملايين مسافر.
ولم تقتصر الخسائر على شركات الطيران الأوروبية بل تعدت إلى جميع شركات الطيران التي تسير رحلاتها إلى أوروبا بما فيها شركات الشرق الأوسط، حيث سجلت 3 شركات وهي الإمارات والقطرية والاتحاد خسائر تقدر ب 128 مليون دولار ويكفي أن نعلم أن 20 بالمئة من أسطول طيران الإمارات كان متوقفا تماما خلال هذه الأزمة في الوقت الذي الغت فيه شركات الطيران الأوروبية 75 بالمئة من عملياتها وخسائر وصلت إلى 840 مليون يورو لأكبر 6 شركات طيران في أوروبا.:تأثيرات أقل على صناعة التأمين:لكن تأثيرات هذه الأزمة على قطاع التأمين ووفقا لخبراء في الصناعة ربما تكون أقل من ذلك، إذ إن شركات التأمين لن تدفع تعويضات للقطاع سواء للمطارات أو شركات الطيران بدلا من تعطلها خلال فترة الأزمة التي استمرت ستة أيام باعتبار أن مثل هذه الأحداث غير مغطاة في وثائق التأمين الموقعة مع الشركات والمطارات.ووفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة موديز العالمية فإن شركات التأمين تدفع للمطارات وشركات الطيران في حال الأضرار البدنية للمنشآت والطائرات في الوقت الذي توضح فيه شركة ميونيخ ري أن السلطات في أوروبا أقدمت على هذا الاجراء لمنع الحوادث والأضرار وبالتالي فلا يوجد أسباب تجبر شركات التأمين على دفع تعويضات وفي العموم فإن تعطل الأعمال في المطارات وشركات الطيران غير مغطاة تأمينياً ما لم تنتج عن أضرار بدنية. والأمر نفسه ينطبق على الشحنات التي لا تغطي تأمينياً إلا في حالة الأضرار البدنية.
:الوثيقة تحدد مسؤولية شركة التأمين :ويؤكد عمر حسن الأمين مدير عام شركة اورينت للتأمين ان تأمين السفر تحكمه عادة وثيقة التأمين أي أن كل وثيقة تتضمن شروطا تختلف عن الأخرى وحسب التغطية التي تشملها ولا يوجد حالة عامة على هذا الصعيد.وقال الأمين إن التأمين في قطاع الطيران يشمل إما تأمين السفر للركاب أو تأمين الهيكل البدني للطائرات والمطارات، موضحاً أن شروط الوثيقة هي التي تحدد مدى التزام شركات التأمين بالتغطية اللازمة وفي حالة سحابة البركان فإن هناك بعض الوثائق تغطي إلغاء الرحلات لشركات الطيران في حال وجود أسباب قاهرة ليست مسؤولية شركات الطيران وهنا فإن شركات التأمين مطالبة ووفقا للوثيقة بدفع تعويضات لشركات الطيران على تعطل الرحلات كما حدث في أزمة السحابة البركانية خلال الأسابيع الماضية. وهناك بعض وثائق التأمين تغطي أيضاً تعطل الرحلات أو فقدان الحقائب للمسافر.وأضاف انه وفي حال السحابة البركانية فإن بعض الوثائق تشترط أن تقوم شركات التأمين بدفع تعويضات للمسافرين على تعطل رحلاتهم أو فقدان الحقائب وهذه حالات تتحدد وفقا لكل وثيقة تأمين وليست عامة على جميع الوثائق.:خسائر الطيران غير مغطاة:أما عبدالمطلب مصطفى فيرى أن الأحداث التي رافقت سحابة الرماد البركاني تعتبر كوارث طبيعية لا تتم عادة تغطيتها تأمينيا باستثناء بعض الوثائق التي تحتوي على شروط خاصة تدفع بموجبها شركات التأمين لشركات الطيران جراء تعطل الرحلات.
وفي حال وجود تأمين السفر مع الراكب فإن شركات التأمين مجبرة على دفع تعويضات للمسافرين جراء تعطل رحلاتهم في بعض الحالات وحسب شروط الوثيقة.
وأضاف أن الخسائر التي تعرضت لها شركات الطيران جراء تعطل رحلاتها مؤخرا غير مشمولة بوثائق التأمين وفي حال التعطل الاختياري للرحلات فإن بعض وثائق التأمين تشترط دفع تعويضات لشركات الطيران.
تأمين السفر
ويبدو أن هذا النوع من التأمين ووفقا لموديز قابل للتغطية لكنه محدد بنوعية الوثيقة الموقعة بين العملاء وشركات التأمين أي أنها حالات فردية وليست للجميع. والأمر ليس معياريا في جميع الحالات والعملاء مطالبون بتفحص وثيقة التأمين لديهم.
ووفقا لتقديرات جمعية التأمين البريطانية فإن شركات التأمين يتوقع أن تدفع نحو 2,92 مليون دولار وهي أرقام قليلة قياساً إلى الخسائر التي أحدثتها أزمة الرماد البركاني في العالم ذلك ان شركات الطيران كانت مطالبة بتأمين نفقات المبيت والطعام للركاب وفقا للقوانين الأوروبية. لكن تأمين السفر لا يغطي مثل هذه النفقات عادة والقليل من الشركات وافق على دفع تعويضات لعملائها في هذا الأمر.
التأمين في الطيران
وقد واجه سوق تأمين الطيران صعوبات خلال العامين الماضيين الأمر الذي ادى إلى ارتفاع أسعار أقساط التأمين في هذا القطاع بنحو 20 بالمئة خلال العام الماضي. ويعود هذا الارتفاع إلى جملة من العوامل لعل ابرزها سوق تأمين الطيران لمن يحقق أي عائد على الاستثمارات خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب التراجع الكبير في الأسعار الذي اعقب احداث 11 سبتمبر.
كما أن عام 2009 كان عاما استثنائيا ومكلفا جدا بالنسبة لحجم التعويضات، ففي الوقت الذي تم فيه تسجيل 58 حادثا مقارنة مع المعدل العام وهو 68، ورغم أن أعداد الإصابات كانت قليلة، إلا أن بعضها كان مكلفا للغاية الأمر الذي أعطى الشركات الفرصة للتشدد تجاه صناعة الطيران خصوصا منذ منتصف عام 2009. كما ان تراجع اعداد المسافرين تسبب بتراجع حملة وثائق تأمين السفر.
حالة خاصة للشرق الأوسط
وبالرغم من هذه الأوضاع الصعبة في العالم، إلا أن ناقلات الشرق الأوسط استمرت في تحقيق النمو وارتفع معدل قيمة الأسطول بنحو 12 بالمئة خلال عامي 2009 و2010 بناء على نمو حركة النقل الجوي بنسبة 13 بالمئة و15 بالمئة خلال عامي 2007 و2008. لكن هذا النمو لم يكن بدون ثمن ووفقا لشركة ايون العالمية فإن معدل تكلفة تأمين الطيران ارتفع بنحو 32 بالمئة لوثائق تأمين 2009-2010.
وهناك عامل واحد يمكن أن يتسبب بتراجع أسعار تأمين الطيران خلال العام المقبل وهي التشريعات المتعلقة بالحد الأدنى من المسؤولية والتي سيبدأ تطبيقها في كل من الإمارات وتركيا. وقبل هذه التغيرات كانت شركات الطيران غير مجبرة على شراء حد معين من التغطية التأمينية وكانت تستطيع العمل ضمن حدود منخفضة.
وطبقا للتشريعات الجديدة التي طبقت من قبل في أوروبا ويتوقع أن يبدأ انتشارها في مختلف أسواق الشرق الأوسط، فإن التغطية التأمينية حول مسؤولية الشركة سترتبط بوزن الطائرة وعدد مقاعد المسافرين التي تحملهم الطائرة.
ويقول عمر الأمين إن أسعار التأمين في قطاع الطيران تحددها عادة نسب ومعدلات الحوادث ودرجة الأخطار وفي حال تزايد أعداد الحوادث فإن أسعار التأمين ترتفع، والأمر قد يتحدد أيضاً حسب سجل كل شركة وتاريخها. و قال إن زيادة حجم المطالبات يؤدي أيضاً إلى ارتفاع في أسعار التأمين.
تغطيات كبيرة
وأشار إلى أن قطاع الطيران يشتمل على تغطيات تأمينية كبيرة وفي حالات معينة تزيد عن قدرة الشركات داخل المنطقة، موضحاً أن تأمينات الطيران تحتاج إلى رؤوس أموال وملاءة مالية كبيرة لشركات التأمين وهي عوامل تفتقدها شركات كثيرة في المنطقة.
فيما يذهب عبدالمطلب مصطفى مدير عام شركة عمان للتأمين أن الأمر لا يتعلق بضعف رؤوس أموال الشركات وملاءتها المالية لكن هناك أسواقا وشركات تأمين متخصصة في التأمين على الطيران في الوقت الذي تتمتع فيه شركات في المنطقة بقدرة على تغطية هذا النوع من الأخطار وتمتلك الاحتياطيات الفنية والملاءة المالية الكافية في هذا المجال.
وفيما يتعلق بأسعار التأمين خلال العامين الماضيين قال إن الأسعار عموما بقيت ثابتة رغم المتغيرات الاقتصادية وهناك أنواع مختلفة من التغطيات التأمينية في قطاع الطيران وتشمل تغطية الهيكل البدني للطائرات والمسؤولية والحوادث.
وقال إن ارتفاع أو تراجع الأسعار تحدده عادة مدى الأخطار والحوادث في القطاع.والسؤال المطروح حالياً ماذا يخبئ سوق التأمين لقطاع الطيران في المفاوضات المتعلقة بوثائق 2010 -2011 والإجابة تمكن في أن هذا الأمر يعتمد بدرجة كبير على الحوادث التي تقع في المنطقة والعالم ودرجة نمو الصناعة خلال الشهور الـ 12 المقبلة.
وهكذا فإن أسعار التأمين في قطاع الطيران يتوقع لها أن تستمر في الارتفاع ولكن بدرجة أقل مما كانت عليه في عام 2009 بالنسبة لشركات الطيران التي تمتلك تاريخا جيدا من حيث الخسائر وإدارة المخاطر. وهذا يعني أن صناعة الطيران ستبقى دوما معرضة لخسائر كارثية.
النمو المتسارع للقطاع في الشرق الأوسط والذي يقوده الترويج لتحويل المنطقة كوجهة سياحية ومركزاً عالمياً للطيران بين أوروبا وآسيا يعني استمرار النمو بوتيرة أسرع من المناطق الأخرى في العالم وبنفس الوقت استمرار الارتفاع في أسعار التأمين في القطاع وهذا هو ثمن النجاح.
الشركات الوطنية
لم تغفل شركات الطيران عن الأخطار التي تتعرض لها الطائرات في الجو أو على الأرض، وتدرك تماماً ضخامة الخسارة الناجمة عن حوادث الطيران سواء لجسم الطائرة أو للركاب أو للطرف الثالث المتضرر من تلك الحوادث والتي تقدر بملايين الدولارات وقد سعت إلى تقديم التغطية التأمينية لهذا السوق الكبير رغم مخاطره العالية.
لكن الواقع يشير إلى أن الشركات الوطنية تعاني من ضعف طاقاتها الاستيعابية ورؤوس أموالها الصغيرة نسبيا الأمر الذي يمنعها من دخول المنافسة في هذا السوق الكبير، خصوصاً أن الخسائر تكون عادة كبيرة في حال الحوادث أو الكوارث الجوية وهو أمر لا طاقة للشركات الوطنية فضلا عن العربية بتحمله.
ويؤكد خبراء في صناعة التأمين أن أحداث 11 سبتمبر من عام 2001 سببت خسائر هائلة لشركات التأمين العالمية خصوصا تلك التي كان لها علاقات مع شركات الطيران التي طالتها الحوادث، ويقدر خبراء أن خسائر قطاع التأمين في العالم بلغت نحو 40 مليار دولار، الأمر الذي دفعها في العام التالي إلى رفع رسوم مخاطر الحرب بنسبة 100 بالمئة.
ومما يجعل من هذا القطاع حكراً على الشركات الأجنبية العالمية الكبرى هو تنوع مجالات التأمين فيه ما بين أجسام وهياكل الطائرات إلى المسؤولية المدنية ومخاطر الحرب والإرهاب وجميعها عوامل تجعل حتى شركات التأمين الكبرى تتردد في التأمين عليها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالإرهاب.
الشركات الوطنية والإقليمية العربية مطالبة بالكثير لدخول هذا السوق في حال توفرت الرغبة لديها بذلك وهناك الكثير من التحديات والمعوقات التي ما زالت تواجه الشركات العربية لعل أبرزها، كما قلنا سابقاً.
قلة رؤوس أموالها وضعف طاقاتها الاستيعابية مقارنة مع الشركات العالمية، كما أن شركات الطيران نفسها تفضل عادة الشركات الكبرى القادرة على التعامل مع التغطيات التأمينية الكبرى وهي تلجأ عادة الى وسطاء عالميين يوفرون لها خيارات عدة من بين شركات التأمين العالمية التي تلجأ بدورها إلى إعادة تأمين جزء من هذه التغطية كنوع من توزيع المخاطر وهي ضخمة في هذه الحالة.
دبي ـ علي الصمادي


