تُعتبَر البطالة من أكبر التحديات التي يواجهها مجلس التعاون الخليجي فمن شأن هذه المشكلة أن تنعكس سلبا على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وتهدّد معايير المستوى المعيشي، وتولّد تفاوتاً اقتصادياً.

خاصة مع بلوغها في صفوف المواطنين نسبة 10 في المئة وما فوق في معظم بلدان مجلس التعاون الخليجي، وذلك على الرغم من النمو الاقتصادي السريع خلال العقد المنصرم، وهو ما يستدعي تنفيذ تغييرات على نطاق واسع بهدف إيجاد حلّ لمشاكل البطالة.وبحسب دراسة جديدة لمركز الفكر في شركة «بوز أند كومباني» وهو يضم مجموعة خبراء في شؤون الشرق الأوسط فإن البطالة المقنعة (العمالة الفائضة والعمالة الناقصة التي لا تتلاءم مع المهارات المطلوبة) تشكّل بدورها مشكلة، كون الحكومات في دول المجلس هي المستخدِم الأوّل للمواطنين، بينما يفضل القطاع الخاص العمالة الأجنبية.وقالت الدراسة: تتعدّد أسباب البطالة في مجلس التعاون الخليجي نظام تربوي لم يتلاءممع حاجات الصناعة الحديثة، ومواطنون تعودوا على توقّع الدعم الدائم من الحكومات، وسياسات مثل الهجرة والتقاعد، لم تثبت فعاليتها في سوق العمل.

وتزداد حدّة المشكلة بفعل الضغط على المنطقة لاستحداث مئات آلاف فرص العمل سنوياً.ووفق توقعات البنك الدولي الأخيرة، ستتخطى القوة العاملة في مجلس التعاون الخليجي 5 .20 مليونا بحلول العام 2020 ما يمثّل زيادة بحوالي 30% من التقديرات الحالية للقوة العاملة التي تبلغ 6 .15 مليونا. وقال ريتشارد شدياق، الشريك في «بوز أند كومباني»: إذا أرادت المنطقة إيجاد حلّ للمشاكل المتعلقة بالبطالة، عليها أن تحدِث تغييرات في القطاع العام و الخاص كما في الثقافة.:تحديات العمالة:وفي العام 2008، تمّ تقدير البطالة الوطنية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحوالي 13 و14 في المئة، و15 في المئة في البحرين وعمان، على الرغم من النمو السريع في اقتصادات تلك الدول منذ العام 2003. أمّا قطر، فعانت من بطالة بنسبة 2 .3 في العام 2007 (بعدما انخفضت من 6 .11 في العام 2001).وقال الدكتور حاتم سمّان، مدير مركز الفكر وخبير اقتصادي في «بوز أند كومباني»: قد يشير هذا الانخفاض في مستويات البطالة في قطر إلى مشكلة كامنة بمجلس التعاون الخليجي، حيث عادة ما تمثّل الحكومات في المنطقة الملاذ

الأوّل والأخير بالنسبة لتوظيف المواطنين. وتكمن هذه المشكلة في عوامل أخرى عديدة مثل حالة التوظيف (كالبطالة المقنعة) وغياب النشاط الاقتصادي وفعالية الخطط الاستراتيجية.

التحديات الكامنة

ويمثّل الموظفون الجزء الثاني من المجتمع الناشط، ويعمل معظمهم في القطاعات الحكومية، ما يمثّل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول المجلس، فيما يعمل جزء صغير منهم في القطاع الخاص.

وفي حالات عدة، يعاني الموظفون من المواطنين من العمالة الزائدة والناقصة، الأمر الذي يتميّز بالانعكاسات الاقتصادية نفسها التي تؤدي إليها البطالة، مثل التأثير السلبي في الإنتاجية الاقتصادية في المنطقة.

فالعمالة الزائدة على الحاجة تعتبر جزءاً من المشكلة حيث يشكل عدد الموظفين في القطاع العام فائضا كبيرا ما يؤدي إلى غياب الفعالية على مستوى خدمات حكومية عدة. وفي القطاع الخاص أيضا أدى فرض الحصص إلى إدخال المواطنين في جداول الرواتب بدون الاستفادة منهم على مستوى الإنتاجية.

أما العمالة الناقصة فهي متفشية خاصة في القطاع العام فقد أدى الاعتماد الكبير لاقتصاد المنطقة على النفط إلى استخدام إيراداته الوافرة لتوظيف المواطنين في القطاعات العامة التي باتت تمثل جزءا كبيرا من اقتصاديات دول المنطقة.

وأدى ذلك بالتالي إلى ثغرة كبيرة بين المهارات المطلوبة من القطاع الخاص والمهارات المتوافرة في القوة العاملة، حيث اعتمد سوق العمل في القطاع العام بصورة كبيرة على توظيف المواطنين الذين غالبا لا يتطلبون دراسات علمية أو تقنية بينما اعتمد القطاع الخاص على العمالة الأجنبية الأكثر تقنية.

وقد انعكس ذلك حتى يومنا هذا في التحديات التي يطرحها استبدال الوافدين الأجانب بالمواطنين وغيرها من التعقيدات ذات الصلة مثل المعدلات المرتفعة للتحويلات المالية التي تؤثر سلبا في اقتصاديات المنطقة، كما تجسّدت هذه الظواهر في تحديات اقتصادية أخرى مثل إنتاجية العمل المنخفضة.

النشاط الاقتصادي

وقالت الدراسة: تدلّ عبارة غير ناشط اقتصادياً على أفراد المجتمع في سنّ العمل الذين لا يبحثون عن العمل لأنهم مرضى، أو يرعون أفراد عائلتهم، أو لأنهم تقاعدوا مبكراً.

ويوضح شدياق: يمثّل المجتمع غير الناشط تكلفة للاقتصاد لجهة الناتج المحلي المحتمل، ومع مرور الوقت، قد يزداد عدد العاطلين عن العمل بسبب هؤلاء أو تبرز الحاجة إلى القيام باستثمار كبير لتدريبهم من أجل إعادة دمجهم في صفوف المجتمع الناشط اقتصادياً.

وفي دول عدة من مجلس التعاون الخليجي، بلغ معدل المجتمعات غير الناشطة في السنوات الأخيرة أكثر من 40% من المجتمع الناشط في كل دولة. وقد تكون الأعداد الكبيرة للشباب غير الناشط في المراحل التعليمية المختلفة خير تفسير لهذا التفاوت الكبير، بيد أن هناك ثلاثة عوامل أخرى ذات أهمية تعكس هذا التباين مع المؤشرات العالمية.

وبلغ متوسط معدل مشاركة النساء في القوة العاملة في مجلس التعاون الخليجي 33 في المئة في العام 2005 من النمو الاقتصادي القوي حيث تراوحت هذه المشاركة بين 18 في المئة في المملكة العربية السعودية و50 في المئة في الكويت.

ويرغب العديد من المواطنين في تفادي العمل في القطاع الخاص، فيصبحون غير ناشطين أو عاطلين طوعيين عن العمل، ذلك أنّه يُنظَر إلى عدد من هذه الوظائف أنّها غير جديرة بهم، وأنّ دخلها الفعلي منخفض مقارنة بالوظائف الحكومية.

واوضحت الدراسة أن بعض الأشخاص يعملون غير أنّهم ليسوا جزءاً من القوة العاملة الرسمية، فالوجود المهم لليد العاملة الأجنبية يشكّل جزءاً لا يُستهان به من الاقتصاد غير الرسمي في مجلس التعاون الخليجي. ويرسل هؤلاء العمال الأجانب المال إلى بلدانهم وهذا نوع من التسرّب الاقتصادي الذي يُنقص إجمالي الناتج المحلي في هذه الدول.

وعلى الصعيد الوطني، نتيجة الصعوبة التي تواجهها الحكومات في استيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، يحاول هؤلاء، وخاصة النساء منهم، البحث عن طرق غير رسمية للعمل، بما في ذلك المهن الحرة.

تجزّؤ سوق العمل

ويقول الدكتور سمّان: من التحديات المحتملة الأخرى التي يواجهها سوق العمل في مجلس التعاون الخليجي تجزّؤ سوق العمل إلى سوق رسمي وسوق غير رسمي، ما يساهم في تخفيض متوسط الدخل، خاصة خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، وهذا يزيد من حدّة مشكلة البطالة.

ويمكن للسياسات العامة الفعالة أن تدفع أسواق العمل إلى التطور في شكل يدعم الأهداف الاجتماعية والاقتصادية. وتعتمد فعالية هذه السياسات بدورها على طبيعة وفعالية المؤسسات التي أنشئت لتطبيق هذه السياسات.

ومن شأن القيم الثقافية والسلوكيات التي تعزّز التوافق والتعاون بين الجهات المعنية أن تطلق عجلة النمو الاقتصادي وتساعد سوق العمل. وهناك أربعة أنواع من السياسات التي تملك تأثيرا مهما في التوظيف: السياسات التعليمية والاجتماعية وتلك الخاصة بالعمل والهجرة.

السياسات التعليمية

وألمحت الدراسة إلى أنه بالرغم من الاستثمار الكبير في التعليم أنتجت السياسة التعليمية في مجلس التعاون الخليجي نتائج مخيّبة للآمال خاصة في مجال العلوم والرياضيات.

وكانت معدلات الاختبار العالمي الذي يحدد الاتجاهات في الدراسات الدولية في الرياضيات والعلوم شةحسس للدول المشاركة من منطقة مجلس التعاون الخليجي في العام 2007 منخفضة مقارنة ببقية الدول، ما يلقي الضوء على النقص في المهارات التحليلية والعلمية الملائمة في صفوف الوافدين المستقبليين إلى سوق العمل.

ووفق الدراسة لم يحقق التعليم المهني نتائج أفضل لثلاثة أسباب. أوّلاً، لم تتناغم سياسة التعليم المهني مع النمو الاقتصادي في المنطقة.

وثانياً، ينظر الناس إلى الوظائف المهنية كخيار ثانٍ أو ثالث، كما أنّ القطاع الخاص، بما في ذلك شركات عائلية عدة، قد فضّل العمال الأجانب الأقل تكلفة والأكثر التزاماً، فأدى ذلك في بعض الأحيان إلى ثني المواطنين عن الالتحاق بالتدريب المهني، كما قال شدياق.

إنّ غياب التناغم بين سياسة التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل قد أنتج هوّة بين المهارات الكميّة والمهارات النوعية. ولم يقترح القطاع الخاص الإصلاحات الضرورية ليستجيب التعليم العالي أكثر لحاجات هذا القطاع.

تحديات إضافية

ورصدت الدراسة تحديات أخرى كما يلي:

- القدرة المحدودة: فيما ارتفعت معدلات الالتحاق بالتعليم العالي، تكاد مدارس عدة في مجلس التعاون الخليجي تبلغ الحد الأقصى لاستيعاب التلامذة.

- تمويل محدود: ترتكز السياسة التربوية وخاصة التعليم العالي على التخطيط الطويل الاجل، بينما يعتمد تمويل التعليم العالي في دول المنطقة الى حد كبير على الموارد النفطية،

ما قد يسبّب اختلالاً في السياسة التعليمية عند تدني هذه الموارد وخاصة أن مساهمة القطاع الخاص في تمويل التعليم محدودة.

- النوعية المتدنية: إنّ العناصر المختلفة التي تشكّل بيئة أكاديمية ضعيفة مثل قلة البحوث العلمية والنشر مع عدم وفرة الطلاب في البحث العلمي، تحدّ من نوعية التعليم العالي في مجلس التعاون الخليجي.

- الحوكمة غير الفعالة: نظام التعليم العالي يعاني في كثير من دول المنطقة من البيروقراطية وقلة المرونة، لذا نراه غير قادر على تلبية التطوّر والتقدّم بالسرعة المطلوبة.

حلول مقترحة ضمن استراتيجية شاملة

قال الدكتور حاتم سمّان، مدير مركز الفكر وخبير اقتصادي في «بوز أند كومباني»: إنّ البطالة مشكلة معقّدة في مجلس التعاون الخليجي، وما من حلّ واحد لها. حيث ان هناك مشاكل بنيوية متعلقة بالاقتصاد والتعليم والعمالة والهجرة، وتجب معالجتها كجزء من استراتيجية شاملة. وطرح بعض الأفكار الرئيسية الخاصة بكلّ مجال.

وأوضح أن استراتيجية كل دولة يجب أن تشمل ثلاث خطوات أساسية لتحديد وتطوير القطاعات الاقتصادية التي من شأنها أن تزيد من الوظائف ذات القيمة المضافة بالنسبة إلى المواطنين، وهذه الخطوات هي:

تطوير القطاعات التنافسية: يحتاج مجلس التعاون الخليجي إلى تحديد استراتيجية واضحة للتنمية الاقتصادية بالإضافة إلى اقرار سبل لإنجاحها.

تعزيز القطاع الخاص: على دول مجلس التعاون الخليجي أن تعزّز المبادرات، وتوليد ثقافة حوكمة الشركات والمكاشفة، وإنشاء بنية تحتية للشركات الخاصة.

تعزيز مجلس التعاون الخليجي كمركز للاستثمار: على دول الخليج تعزيز البيئة الاقتصادية وبيئة الأعمال لجذب الاستثمارات من خارج الحدود الوطنية.

الضرورات التعليمية

وتابع الدكتور حاتم سمّان: من الواجب معالجة خمسة مجالات حساسة لإنجاح الإصلاح التربوي، هي: تحديد الاستراتيجيات التعليمية بناء على أهداف اجتماعية واقتصادية يتم تحديدها بدقة.

فمن الواجب إيجاد صلة أكثر قوة بين النظام التعليمي والسوق. وهذا يعني المزيد من التواصل والتنسيق بين الجهات المعنية مجتمع الأعمال، المجموعات المجتمعية المحلية، منظمات تطوير رأس المال البشري، الجامعات الخاصة والرسمية، والأجهزة الحكومية.

وكذلك تحسين أداء المدارس الرسمية والخاصة. الدعم المستمر للبنية التحتية التعليمية في مجلس التعاون الخليجي أساسي لتقديم خدمات تعليمية ذات نوعية عالية وتحقيق نتائج أفضل على مستوى الأداء. ويبدأ ذلك مع تعزيز المهارات على مستوى الأساتذة والمديرين وإعداد منهج متنوّع وبيئة تعليمية أوسع وأكثر مرونة.

وأيضا تعزيز التعليم المهني. على التلاميذ أن يتعرّفوا، في مراحل مبكرة، إلى المهارات المهنية والفنية، وتُعتبر المدارس المهنية أحد أسهل الأساليب لتحقيق ذلك.

كما ينبغي تطوير البحوث العلمية في التعليم العالي. يعاني مجلس التعاون الخليجي من ندرة البحوث والابتكار على المستوى الجامعي. على هذه النشاطات أن تُنفَّذ، وبمستويات عالمية.

وكذلك تنظيم وتوضيح دور الحكومة وقدراتها ومسؤولياتها. لا خلاف على دور وأهمية الدور الحكومي في التعليم، غير أنّ الأجهزة الحكومية تكون في بعض الأحيان بيروقراطية جدا.

وتبرز أيضاً الحاجة إلى إصلاح أدوار وزارات التعليم والتعليم العالي في دول المجلس من أجل وضع حدّ للتدخّل التشغيلي والتركيز على وضع معايير وطنية وسياسات تعليمية، والتنسيق بين الجهات المعنية ومتابعة الأداء.

مجالات أساسية

وقال مدير مركز الفكر في «بوز أند كومباني»: هناك حاجة إلى مزيد من السياسات الفاعلة على صعيد العمالة والهجرة من أجل معالجة مشاكل المجلس ذات الصلة بالبطالة.

وقد تمّ تحديد ثلاثة مجالات أساسية من الواجب التركيز عليها:

تركز السياسات الخاصة بالهجرة. ما من مشكلة في استخدام القوة العاملة الأجنبية طالما أن استخدامها يبقى انتقائياً.

إعادة النظر في فكرة الكفالة من خلال اتباع مثال البحرين لوقف هذا النظام، مع استئناف دور المتابعة المباشرة للوقت الذي يمضيه الأجانب في البلدان المعنية.

زيادة التركيز على مشاركة القوة العاملة. تمثّل سياسة الحصص حلاًّ غير مثالي للمشاكل المتعلقة بالبطالة في مجلس التعاون الخليجي. وقد يتمثّل الحلّ البديل بتقديم حوافز من جهة الموظف. وتُعتبَر زيادة المرونة في مقاربات التوظيف (مثل العمل عن بعد و الدوام الجزئي) طريقةً لمعالجة المعدلات المنخفضة للإقبال على العمل.

ومن بين السبل الأخرى لزيادة مشاركة اليد العاملة إلغاء النظرة السلبية التي يحملها العديد من المواطنين إلى العمل في بعض القطاعات ووظائف المستوى البدائي.

ويقول شدياق: إنّ تأخير سنّ التقاعد أو إدخال المرونة إلى قوانين التقاعد على سبيل المثال من شأنهما أن يساهما في زيادة معدل مشاركة المواطنين، ويعزّزا الإنتاجية الاقتصادية الإجمالية، ويوفّرا للمواطنين الشباب مرشدين هم بأمسّ الحاجة إليهم في مكان العمل.

حجم التحدي

أكدت دراسة «بوز أند كومباني» أن القادة الإقليميين يعون حجم التحدي الذي تطرحه البطالة ونطاقه في دول الخليج، ويتطلب هذا الأمر معالجة سريعة.

وتفترض مواجهة هذه التحديات مقاربة شاملة على ثلاثة مستويات. الأول هو توسيع القاعدة الاقتصادية وإيجاد فرص عمل إضافية في القطاعات الاستراتيجية التي تتميز فيها دول المجلس بميزة تنافسية وبقدرة على توفير الدخل الكافي للمواطنين.

الثاني هو تطوير القوة العاملة من خلال إصلاح النظام التربوي وتحسين مهارات اليد العاملة لتنشئة جيل من المواطنين الماهرين بهدف الاستجابة للمتطلبات الاقتصادية.

والثالث هو اعتماد سياسات فعالة خاصة بالعمالة وبالهجرة من خلال إعادة النظر في هذا النظام وتعزيز مشاركة اليد العاملة الوطنية.

وبفضل أدوات كهذه، سيكون مجلس التعاون الخليجي أكثر استعداداً لمواجهة تحديات البطالة.

دبي ـ «البيان»