أفرزت الأزمة المالية العالمية، التي وجف لها قلب العالم قاطبة، أحداثاً لا تحمد عقباها ليس أقلها شأناً فضائح مالية أزكمت الأنوف وأندت الجبين، لتطال عدداً من كبار أثرياء العالم، ليقعوا أخيراً بلا ظهير في شرور أعمالهم، ويلقى بهم في غياهب السجون قابعين وراء القضبان ينفذون أحكاماً وصلت مدتها عند أحدهم إلى 150 عاماً .

ومن أبرز هؤلاء وأكثرهم شهرة بيرنارد مادوف الذي أقر في شهر مارس من عام 2009 بإحدى عشرة جريمة فدرالية، واعترف بتحويل شركة إدارة الثروة التي يمتلكها إلى مخطط بونزي واسع النطاق، احتال من خلاله على آلاف المستثمرين ووصل حجم الأموال التي وقعت تحت قبضته نحو 170 مليار دولار . لكنّ هناك آخرين ما زالوا طلقاء فارين من وجه العدالة .وأشار تقرير لمجلة «فوربس» إلى أن قائمة الأثرياء القابعين وراء القضبان ضمت وونغ نونغ يو الذي كان يوماً أكثر رواد الأعمال في الصين ثراء وأغنى رجل في البلاد في عام 2006 . وهو الآن قابع في السجن وقد حكم عليه الشهر الماضي بالسجن لمدة أربعة عشر عاماً، بعد إدانته بالرشوة والتداول بناء على معلومات سرية .

قائمة طويلة

وهؤلاء الأثرياء ما هم إلا غيض من فيض قائمة طويلة من الأثرياء الخارجين على القانون والمدانين أو الفارين من وجه العدالة . فهناك اليوم ثلاثة على الأقل من كبار الأثرياء السابقين يقبعون في السجون إلى جانب مادوف وونغ .

من بينهم الملياردير الروسي ميخائيل خوردوفسكي وبلاتون ليبيديف، اللذين قضيا حتى الآن سبع سنوات في السجن وهما يخضعان للمحاكمة بتهم أخرى . وروبيرت ألين ستانفورد رجل التمويل التكساسي الذي اتهم رغم عدم إدانته حتى الآن بإدارة مخطط بونزي بقيمة 8 مليارات دولار .

وقد حكم على الإيطالي كاستيلو تانزي الشريك المؤسس لمجموعة بارماليت بالسجن لمدة عشر سنوات في عام 2008 لإدارته لأكبر عملية إفلاس في أوروبا وقد استأنف الحكم لكن محكمة الاستئناف أيدت الحكم الصادر بحقه .

غير أن أثرياء حاليين وأغنياء سابقين اختاروا النفي الاختياري أو البقاء هاربين من وجه العدالة . وقد عرضت مكافأة مقدارها خمسة ملايين دولار لكل من يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال جاكويم جوتزمان المعروف بإيل تشابو، أكثر الأثرياء المطلوبين . وقد ظل جاكويم فاراً من وجه العدالة منذ تسع سنين في أعقاب فراره من السجن في عربة الغسيل .

عائلة تركية

ووفقاً لمجلة «فوربس» فقد كان لأفراد عائلة أوزمان التركية التي بلغت قيمة أصولها 1 .6 مليار دولار في عام 2001 نصيب من الهروب أو التواري عن الأنظار .

ففي شهر إبريل الماضي أدين سيم أوزمان بعدة تهم من بينها الاحتيال والرشوة . ويقال انه يعيش في المنفى متهرباً من حكم بالسجن مدته 25 عاماً . كما يشتبه بضلوع والده كمال وشقيقه حقان في القضية ذاتها .

وقد شطبت العائلة الخارجة عن القانون من قائمة الأثرياء منذ عام 2004 عندما صادرت الحكومة التركية أكثر من 200 من الشركات المملوكة لها في محاولة لتحصيل ديون بقيمة 5 .9 مليارات دولار .

إدانة فعفو

قد تكون الإدانات أحياناً مجرد نكسات مؤقتة، فقد صدر عفو عن ثلاثة من الأثرياء الكوريين الذين اتهموا بالاحتيال وهم يديرون الآن شركاتهم الخاصة .

فقد قضى تشي تاي وون رئيس مجلس إدارة «اس كي غروب»، ثالث كبرى الشركات الكورية الجنوبية من حيث الأصول في السجن مدة سبعة أشهر، بعد إدانته بالاحتيال المحاسبي في عام 2003 . وعاد في ما بعد إلى شركته كرئيس لمجلس الإدارة بعد أن صدر عفو عنه في عام 2008 .

كما أدين رئيس مجلس إدارة «سامسونغ» للإلكترونيات لي كون هي، بتهم التهرب الضريبي وأمر بدفع 130 مليون دولار سداداً لضرائب مترتبة، غير انه نال عفواً في شهر ديسمبر الماضي . واستعاد دوره منذ ذلك الحين كرئيس لمجلس إدارة «سامسونغ» للإلكترونيات، إحدى اكبر شركات الالكترونيات في العالم .

أما راج راجارنتاران رئيس مجموعة «جاليون» للتحوط، الذي ينتظر دوره في المحاكمة في شهر أكتوبر، فإنه يمني النفس بالبقاء خارج أسوار السجن .

وراجارنتاران الذي أفرج عنه بكفالة مالية، متهم بأنه كان العقل المدبر لحلقة احترفت المتاجرة السرية بالأسهم باستخدام معلومات داخلية . ورغم نفيه القاطع لارتكاب أي فعل جنائي فإن مارك كورلاند أحد الأعضاء الآخرين في الحلقة أدين وحكم عليه في الشهر الماضي بالسجن لمدة تزيد على العامين .

غير أن راجارنتاران يحق له أن يكون متفائلاً . فقد قال محاميه مؤخراً إن وزارة العدل وهيئة الأوراق المالية تحققان في مزاعم بأن المدعين العامين سربوا معلومات خاصة إلى وسائل الإعلام .

خطأ إجرائي

غير أن الخطأ في الإجراءات من قبل جهة الادعاء جاءت في صالح ثري متهم آخر هذا العام . فقد واجه هنري تي نيكولاس الشريك المؤسس لموقع «برودكوم» محاكمتين هذا العام واحتمال حصوله على حكم بالسجن لمدة 360 عاماً .

حيث وجهت إليه 21 تهمة بالتلاعب في تواريخ خيارات الأسهم وأربع تهم تتعلق بالتآمر في تجارة المخدرات . غير أن احد القضاة أسقط التهم في شهر يناير على أساس خطأ في الإجراءات من قبل النيابة العامة . ولم يكن نيكولاس مضطراً للظهور في المحكمة .

مادوف صاحب الرقم الأكبر

برنارد مادوف أو بارني، كما يناديه المقربون منه، رجل المال والأعمال والمجتمع الأميركي البارز، عمل مستثمراً في سوق الأوراق المالية ومستشاراً استثمارياً ورئيساً غير تنفيذي لمجلس إدارة بورصة «ناسداك» .

وظل يتمتع بمكانته المميزة بسبب سمعته في أوساط المال والأعمال الخيرية حتى شهر ديسمبر من العام الماضي، عندما وجهت إليه تهم من بينها اعتباره العقل المدبر لما وصف بأنها أوسع عملية غش استثماري في التاريخ، من خلال مخطط بونزي.

حيث قامت شركته بجمع أموال طائلة من أفراد ومؤسسات لاستثمراها في البورصة دون القدرة على استثمارها . وبدأ في دفع أرباح عملائه من خلال الأموال التي يحصل عليها من العملاء الجدد .

إضافة إلى التلاعب في الأوراق المالية، والاحتيال في دوره كمستشار مالي والغش في التحويلات البريدية والبرقية وغسيل الأموال، والإدلاء ببيانات كاذبة وشهادة الزور والإدلاء بإفادات كاذبة أمام هيئة الأوراق المالية والسندات والاستيلاء على برنامج حقوق العاملين .

وفي شهر مارس من عام 2009 أقر مادوف بذنبه في 11 جريمة فدرالية واعترف بتحويل مجموعة إدارة الثروة التابعة إليه إلى مرتع لأوسع عملية غش استثماري وفق مخطط بونزي، جرد من خلاله آلاف المستثمرين من مليارات الدولارات .

وأقر مادوف أنه بدأ مخطط بونزي في تسعينات القرن الماضي غير أن المحققين يعتقدون أن بدايته الفعلية كانت منذ أوائل الثمانينات . ووصلت المبالغ التي تبخرت من حسابات العملاء بما فيها الأرباح المختلقة إلى 65 مليار دولار .

وونغ نونغ يو

ـ كان وونغ واحداً من أكبر أثرياء الصين . وحكم على وونغ المعروف أيضاً باسم «هوانغ جوانغ يو» في الشهر الماضي بالسجن لمدة 14 عاماً، بعد ثبوت إدانته بممارسة أعمال تجارية غير قانونية، ورشوة مسؤولين بأكثر من 600 ألف دولار .

وكان ووونغ الذي أسس شركة التجزئة «جوم الكتريكال ابلايانسيز»، يحتل المرتبة الثانية في قائمة الأثرياء الصينيين في أكتوبر 2008 بثروة قدرت بنحو 2 .7 مليار دولار .

وفي نوفمبر من ذاك العام جرى توقيفه وأخضع للتحقيق بتهمة الاتجار السري في الأسهم . وما لبث أن استقال من منصبه كرئيس لمجلس إدارة الشركة . ولم يوجه الاتهام إلى وونغ الذي خرج من صفوف الأثرياء رسمياً إلا في شهر فبراير .

روبيرت ستانفورد

ـ كان ستانفورد الذي يحمل الجنسية الأميركية يتباهى بامتلاكه ثروة قدرت بنحو 2 .2 مليار دولار، ويتفاخر بأن حكومة «انتيغوا وباربودا» أنعمت عليه بوشاح الفروسية، زاعماً أنه استثمر قرابة 100 مليون دولار في نادٍ للكريكيت في الكاريبي . وهو الآن متهم بإدارة مخطط بونزي بقيمة 8 مليارات دولار من خلال مصرفه «ستانفورد انترناشونال بنك» .

وقد وجه الاتهام إليه وألقي القبض عليه في العام الماضي، وفي شهر سبتمبر أدخل المستشفى إثر شجار مع نزيل آخر . وفي إحدى زنزانات سجن تكساس ينتظر ستانفورد الذي نفى التهم الموجهة إليه محاكمته في عام 2011 بإحدى وعشرين تهمة جنائية تتعلق بالاحتيال على العملاء .

ميخائيل خوردوفسكي

ـ كان خوردوفسكي الذي شغل نائب وزير الطاقة الروسي في عام 1993 أغنى رجل في البلاد، واحتل المرتبة 16 في قائمة مجلة «فوربس» لأثرياء العالم في عام 2004 بثروة قدرت آنذاك بنحو 15 مليار دولار .

غير أن الكرملين أمر في شهر أكتوبر من عام 2003 باعتقاله بتهمة الاختلاس . وهو يقبع في السجن منذ ذلك الحين .

وقد جمع خوردوفسكي رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة النفط العملاقة «يوكوس» ثروته في أوائل التسعينات من القرن الماضي من خلال الأعمال المصرفية والسلع .

غير أنه يزعم أن انتقاداته اللاذعة لفلادمير بوتين قادته في نهاية الأمر إلى خسارة إمبراطوريته وحريته . وهو يخضع حالياً للمحاكمة مرة أخرى مكرراً براءته من التهم الجديدة .

بلاتون ليبيديف

ـ ليبيديف المسجون حالياً هو شريك خوردوفسكي في أعماله التجارية، وهو من الأثرياء السابقين .

جرى توقيفه قبل أربعة أشهر من توقيف شريكه . وقد اتهم أيضاً بالفساد ومازال رهن التوقيف، ويخضع لمحاكمة أخرى، مصراً على نفي التهم الموجهة بالاستيلاء على المليارات على شكل أرباح من «يوكوس» .

وتعلقت معظم التهم الموجهة إليه بأمور تتعلق بصفقات في مجال الطاقة وغيرها من المجالات الأخرى .لكن مساعديه يقولون أنه بريء من التهم رغم الحكم .

كاستيلو تانزي

ـ اتهم كاستيلو، الثري الإيطالي السابق، مؤسس «بارماليت»، التي كانت تعد يوماً أكبر شركة مستقلة لإنتاج الألبان في العالم، بالتلاعب في شركته في طريقه إلى أكبر عملية إفلاس في أوروبا أطلق عليها «أنرون إيطاليا» .

وبعد محاكمة استمرت ثلاث سنوات حكم عليه في عام 2008 بالسجن لمدة عشر سنوات . وقد استأنف الحكم غير أن المحكمة أيدت الحكم في شهر مايو .

في غضون ذلك أغارت الشرطة على منزله في ديسمبر 2009 وصادرت ما قيمته أكثر من 100 مليون دولار من القطع الفنية . وما لبثت «بارماليت» أن تجاوزت محنة الإفلاس وأدرجت في ما بعد في بورصة ميلانو .

وائل الخطيب