على الرغم من أن الاقتصاد الأميركي لا زال يسير في طريق التعافي والانتعاش وسط التحسن في أنشطته الاقتصادية إلا أن وتيرة تعافيه لا تبدو كافية بالمقارنة مع تاريخ الدورات الاقتصادية السابقة وسرعة وقوة خروج الاقتصاد الأميركي من الركود.
فعلى سبيل المثال كان الاقتصاد الأميركي يحقق نموا عاليا جدا في ناتجه المحلي ألأجمالي بعد كل ركود يدخل فيه بنسب عالية تجعل من الرسم البياني لحركة الناتج المحلي على شكل حرف ض بسبب الهبوط السريع والانطلاقة السريعة.
فقد كان متوسط النمو لأربعة فصول أعقبت ركود 1973- 1975 . 2 .6% وارتفع هذا الرقم إلى 7 .7% بعد ركود 1881 - 1982 ولكنه بعد الركود الحالي لم يسجل سوى 3% كمتوسط للربعين الماضيين.
تحولات كبيرة
وفي السابق كانت الولايات المتحدة هي التي تغطي دفعة لانطلاقة الانتعاش . بينما في الوقت الراهن فإن الاقتصاديات الآسيوية تقف وراء انطلاقة النمو في الاقتصاد العالمي. لذا فإن هناك من يعتقد أن الاقتصاد الأكبر في العالم لا زال بعيداً عن التعافي التام من تبعات أسوأ أزمة مالية تعم العالم منذ الحرب العالمية الثانية .
بطبيعة الحال يمكن أن نرجع السبب في التباطؤ النسبي للتعافي من الأزمة الحالية إلى عمق الأزمة التي لا يمكن مقارنتها بأزمات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
ولا بد من لنا من أن نقر بوجود ضغوطات لا زالت تقف في طريق الاقتصاد الأميركي. حيث ولغاية الآن فشل الاقتصاد الأميركي في السير على نفس سيناريو أدائه خلال الربع الثاني من العام الماضي 2009 .
نظراً لكون الربع الثاني من العام 2009 شهد توسعاً في أنشطة الاقتصاد الأميركي بوتيرة أقوى من تلك التي نشهدها حالياً الأمر الذي تأكد من خلال وزارة التجارة الأميركية والتي أصدرت القراءة التمهيدية للناتج المحلي الإجمالي عن الربع الأول من العام الجاري 2010 لنشهد نجاح الاقتصاد الأميركي في النمو بنسبة 0 .3% .
خلال الربع بالمقارنة مع القراءة السابقة والتي بلغت نمواً بنسبة 2 .3% للفترة ذاتها وفي القراءة المتقدمة للناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا ما أكده البنك الفدرالي الأميركي الذي اوضح أن الاقتصاد سينمو بوتيرة معتدلة خلال الفترة المقبلة .
حيث يتوقع الفدرالي الأميركي بقاء معدلات الإنفاق مقيدة بسبب التحديات المتواصلة والتي تقف في طريقه. وهذا الأمر أصبح جلياً من خلال تقرير إجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأميركية .
والذي نجم عن تراجع الإنفاق الشخصي ليصل إلى 5 .3% بالمقارنة مع القراءة السابقة والتي بلغت 6 .3%. وذلك لأن الإنفاق في الولايات المتحدة الأميركية يشكل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي أو بالأصح ثلثي النمو . حيث يشكل 70% تقريباً من الأنشطة الاقتصادية في الولايات المتحدة.
خطط التحفيز
وتضع خطط التحفيز الهائلة التي أطلقتها الحكومة الأميركية والبنك الفدرالي تضع انطلاقة النمو في وضع حرج. بخلاف الأزمات السابقة التي كان الاقتصاد الأميركي يواجهها . انبثقت الأزمة الحالية بعد أن تبخرت في سيولة هائلة من الاقتصاد نتيجة لتراجع قيم الأصول وكان واجب على السلطات الاقتصادية تعويض دورة الدخل عما ضاع من هذه السيولة .
ومن هنا جاءت سياسات التخفيف الكمي في مسعى لتعويض النقص في السيولة ولكن بحذر شديد بسب الخشية من التضخم عندما تبدأ الأصول التي كانت قد تراجعت سابقا باستعادة قيمتها تدرجيا مما قد يجعل مجموع السيولة المتاحة في الاقتصاد أكبر من الحاجة إليها وبما يدفع باتجاه خلق الضغوط التضخمية.
ولعل الحذر في إطلاق حزم التحفيز هو السبب الرئيس الذي يقف وراء البطء النسبي في انطلاقة الخروج من الركود. فالتوسع في استخدام سياسية التخفيف الكمي . كان قد تحدد ليس فقط بسبب الخشية من الضغوط التضخمية .
وإنما أيضا بسبب تفاقم الين العام الذي وصل إلى 13 ترليون دولار وبنسبة قاربت 90% من الناتج المحلي. حيث إن نسب التضخم لا تزال ضمن المستويات المرغوبة من قبل البنك الفدرالي .
بموجب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الذي أشار إلى أن مستويات التضخم لا تزال تحت السيطرة . مما يؤكد ما جاء به البنك الفدرالي مسبقا وهو أن التضخم لا يشكل أي تهديد خلال الفترة المقبلة.
ولكن نفقات الاستهلاك الشخصي تؤشر في ذات الوقت حجم الطلب والذي قلنا أنه ثلثي النمو وأن الإنفاق في الولايات المتحدة هو جوهر الخروج من الركود. فمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الجوهري كان يمكن أن ينمو بشكل أسرع بكثير من نموه الحالي فيما لو أن الفدرالي والحكومة كانوا قد ذهبوا إلى ابعد من توسعهم الحالي في مجال التخفيف الكمي .
الأمر الذي كان سيطلق النمو بوتيرة أسرع مما هو علية. فقد ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الجوهري خلال نيسان بنسبة 1 .0% . أما على الصعيد السنوي فقد ارتفع المؤشر بنسبة 2 .1% وهي نسب متواضعة ولكنها مبنية على ساسة حذرة.
أن توقعات الفدرالي بأن مستويات التضخم العادية سترتفع إلى 2 .1 -5 .1% خلال هذا العام . تعني أيضا أن الأنفاق الشخصي سيبقى بنمو متواضع أيضا مما يعني في النهاية بقاء النمو متواضع طوال هذا العام.
أن مفتاح الباب الرئيسي لانطلاق النمو بوتيرة سريعة ومتسارعة هو أسعار العقارات والأصول المرتبطة بالعقار. والتي بارتفاعها تعود السيولة التي تبخرت وبما ينعش الاقتصاد ويوجد الحل الكامل لقطاع العمالة الأميركي والذي يعتبر مفتاح الباب الداخلي للبيت الأميركي.
وعلى هذا الأساس نجد أن الأسواق الأميركية والعالمية تعلق أهمية كبيرة جدا على تحسن مؤشرات اداء القطاع العقاري .
وهذا ما يفسر التحسن الشامل في اداء الأسواق العالمية والخليجية يوم الخميس بعد ان صدرت بيانات تشير إلى ارتفاع مبيعات المنازل قيد الانتظار خلال نيسان وعلى الصعيد الشهري بنسبة 0 .6% . والتي كانت قد ارتفعت على الصعيد السنوي بنسبة 6 .24% مقارنة وكلاهما بأعلى من التوقعات.
آثار جانبية
توقعات ارتفاع الدولار بسب تراجع اليورو قد تكون لها بعض الآثار الجانبية السلبية على الصادرات وبالتالي على النمو الأميركي.
ولكن تحسن أداء الاقتصاد الأوروبي الذي عانى من ضعف الطلب بسبب عدم إمكانية استخدام التخفيف الكمي من قبل البنك المركزي الأوروبي وتسارع خروجه من الركود يعطي بحد ذاته دفعة الأمام للاقتصاد الأميركي. وهذا ما لم ينظر إليه الكثير من المحللين الذين لا يلتفتون للآثار عبر المباشرة في الاقتصاد الحقيقي.
فالاقتصاد الأوروبي سيشهد ارتفاع في الصادرات سيدعم الطلب على المنتجات الأوروبية و هذا ما يعيد الحياة للدورة الإنتاجية من جديد ويدفع المصانع لإعادة توظيف الموظفين لمواكبة الارتفاع في الطلب.
و هذا ما بدا واضحا بمؤشر التغير في معدلة البطالة الألماني خلال الشهر الماضي الذي انخفض 000 .45 ألف موظف ليسجل 7 .7% وليصل عدد الإفراد العاطلين عن العمل إلى 5 .3 ملايين موظف وهو الرقم الأدنى منذ كانون الأول .
(وكالات)
