هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمنهم من منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن ومنهم من أباحها. والفريق الذي أجاز الأجر على تعليم القرآن منهم مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وإسحاق وقد استندوا إلى ما رواه البخاري من حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، والرأي أن تعليم القرآن بالأجر جائز إذا روعيت في ذلك عدة ضوابط منها: أن يكون المعلم من الفقراء الذين يتكسبون بما لا يكفي معايشهم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تعليم سور من القرآن صداقاً فى الزواج، فما بالك بحاجة معلم القرآن إلى سد الضرورات الأساسية لحياته وحياة من يعول من طعام وشراب ولباس ومسكن ودواء، إن من الناس من إذا عجز عن الزواج صام حتى يغنيه.
فالزهري قال: إنه لا يجوز للمعلم أن يأخذ أجراً على تعليم القرآن كذلك قال أبو حنيفة: يكره تعليم القرآن بأجرة . واستند إلى قوله تعالى (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً). فهؤلاء يرون أن تعليم القرآن واجب على المعلم، وأن هذا الواجب يحتاج إلى نية التقرب به لله والإخلاص فيه تماماً كما تحتاج الصلاة والصيام إلى النية. وقد رد عليهم الإمام القرطبي عند تفسيره لهذه الآية بقوله: (إن قياسهم على الصلاة والصيام قياس فاسد) وذكر ما رواه البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» فالآية التي استدل بها المانعون نزلت في بني إسرائيل وعلمائهم، فقد كان علماؤهم يأخذون الرشوة ليغيروا ما هو ثابت في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ويكتمونها عن الناس من بعد ما تبين لهم أنه من نسل إسماعيل، فقد كانوا يأملون أن يبعث النبي المنتظر من بينهم كموسى وعيسى عليهما السلام.
وإذا جاز ذلك فإن معلم القرآن ينبغي ألا يغالى في أجره وألا يستغل حاجة الناس إلى التعلم، بل عليه أن يتعفف وألا يجعل القرآن بضاعة رخيصة يساومه الناس عليها. ولعل في رعاية الوزارات والهيئات وأهل الخير من أثرياء المسلمين للقراء الفقراء ما يحفظ عليهم ماء وجوههم وما يصون للقرآن قدسيته.
أما إذا كان المتعلم ذا مال، فعليه ألا يضن بما لديه من ظل حائل وعرض زائل على الذين يعلمونه ما يحييه في الدنيا وينجيه في الآخرة، ويبدلون له الظلمة نوراً، بل ينبغي أن يبذل ماله راضياً وأن يوجه نيته في العطاء إلى إقراض الله قرضاً حسناً، فالصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وألا يمن على معلمه بما يعطيه حتى يتبع صدقته مناً ولا أذى مستحضراً في قلبه قول الله تعالى : (الذين ينفقون في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
رجاء علي