قال الحق تبارك وتعالى: «والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين».

تكون عادة الأطفال حين يحفظون القرآن، أن تتحرك ملكات الحفظ والتسجيل، دونما مشاركة من ملكات الفهم والإدراك، وغياب هذه الملكات قد يكون تاماً، وقد يكون ناقصاً، فلا يتصور أن يكون طفل ما يزال في الخامسة أو السادسة من عمره، يقدمونه لحفظ ما تيسر من القرآن على يد محفظه، يدرك معاني ما يحفظ، أو يشغل عقله بذلك.

وهذا ما حدث معي، إذ حفظت قبل انتظامي في المدارس، على يد والدي ـ رحمه الله ـ عدة أجزاء من القرآن، فقد كان محفظاً للقرآن تخرجت على يديه أجيال وأجيال، وهذا من فضل الله علينا وعلى أهل القرية، قبل أن تصير مدينة مشهورة، كما كانت قرية كذلك مشهورة.

فكان مما حفظت هذه السورة، ويومها لم يشغلني شيء ما وراء الكلمات، وإنما كنت أحفظ الكلمات على ظاهرها، فالتين معروف، والزيتون معروف، وجبل الطور معروف، والبلد الأمين ليس هناك على وجه الأرض غيره أمناً وأماناً سواه.

فلما أصبحت ملكات التفضيل والفهم والإدراك تعمل، وقرأت ما أتيح لي، وسمعت وجادلت وناقشت وراجعت وروجعت، وجدتها تعبر عن ثلاثة مواقع وثلاث بقاع، كل منها ظهر فيها رسول من أولي العزم من الرسل، ونزلت فيها كلمات الله ونوره، فالتين والزيتون، تعبير عن بقعة مباركة في أرض فلسطين، ولد فيها المسيح عيسى بن مريم، وأوتي كتابه الذي أرسل به إلى بني إسرائيل، وهو الذي احتوى أمرين عظيمين، التصديق على شريعة موسى عليه السلام، والتبشير بمن سيأتي بعده من رسل الله عز وجل وهو محمد سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وسلم.

أما الطور ـ جبل سيناء ـ فهو الذي كلم الله عز وجل موسى عليه السلام عليه، وأنزل عليه الألواح المباركة، والتي احتوت النور والهداية، ومع ذلك أزرى بها اليهود وأسقطوها من حسابهم واشترى بها أحبارهم ثمناً قليلاً.

أما البلد الأمين الذي ضمن الله عز وجل أمنه وسكينته، فهو مكة التي نزل فيها النور ووحي السماء وشريعة الحق على عبده وحبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يتعبد لربه في غار حراء بجبل حراء، وكان ما كان مما يعلمه كل مسلم.

والغريب أن تكون هذه البقاع هي ذاتها المذكورة في سفر التثنية «جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران»، وهذا السفر ضمن أسفار التوراة الباقية بأيدي أهل الكتاب حتى يومنا هذا، والتي تقرر في سفر التكوين أن إبراهيم أسكن هاجر وولدها إسماعيل في برية فاران؛ أي مكة، وهكذا فإن جبل حراء يعني جبل فاران، واستعلن أي أعلن أمره بغير خفاء، لأنه خاطب به العالم كله، بل العالمين، وكانت شريعته عامة شاملة صالحة لكل مكان وكل زمان، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

علي عبيد