دعت دراسة أصدرتها غرفة تجارة وصناعة رأس الخيمة إلى ضرورة التدخل الحكومي لحماية الاقتصاد الوطني في ظل المنافسة الشرسة التي تقودها الشركات للنفاذ للأسواق.

وتناولت الدراسة عنصرين مهمين لسياسة التجارة الخارجية، هما التجارة الحرة والحمائية، ويقصد بالأول تبني نظام تجاري مفتوح مع قليل من القيود والتدخل الحكومي، أما الثاني فيقصد به التدخل الحكومي لتنظيم التجارة ودعم الصناعات المحلية حماية للاقتصاد الوطني من المنافسة الأجنبية.

وقال الدكتور سهل الروسان المستشار الاقتصادي للغرفة الذي أعد الدراسة إن الأزمة المالية الأخيرة كشفت عن كثير من العيوب السائدة وفي مقدمتها انعدام الرقابة، لافتا إلى أن التجارة الدولية وسيلة لتبادل السلع والخدمات عبر الحدود الوطنية وأوضح في الدراسة أهمية التجارة الدولية في العقود الأخيرة نظراً لتضافر عدة عوامل جعلت العالم قرية صغيرة مثل التطور الهائل في المواصلات والاتصالات والنظم الإدارية الحديثة التي فرضتها العولمة مثل التعهيد، إضافة إلى انتشار الشركات العابرة للقوميات.

الصادرات

وبين أن الصادرات تشكل جزءاً مهماً من الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الدول وبالأخص تلك المنفتحة تجارياً ومن المعروف أن التجارة الدولية تشكل المحرك الرئيس للنمو في كثير من دول العالم، حيث إنها تؤدي حسب قانون الميزة النسبية إلى أن تتخصص كل دولة في إنتاج وتصدير السلع التي تستطيع إنتاجها بتكلفة أو موارد أقل من الدول الأخرى.

كما أنها تؤدي إلى تخصص العمالة في إنتاج نوع معين من السلع مما يقود إلى زيادة الإنتاجية وعلاوة على ذلك فإنها تؤدي إلى الاستفادة من وفورات الحجم الكبير حيث إن الإنتاج لا يكون موجهاً للسوق المحلي فقط، بل يتعداه إلى السوق العالمي.

وبين أن أهداف السياسة التجارية هو تحقيق موارد للخزانة العامة وتحقيق توازن ميزان المدفوعات وحماية الإنتاج المحلي من المنافسة الأجنبية وخطر الإغراق، وحماية الصناعات الناشئة، وإعادة توزيع الدخل القومي وحماية الاقتصاد من التقلبات الخارجية، إضافة إلى أهداف ذات طبيعة استراتيجية.

وبالرغم من أن التجارة الحرة تؤدي إلى تخفيض التكلفة وزيادة خيارات المستهلك وزيادة التنافس إلا أن العلاقة غير الندية بين دول العالم النامي والمتقدم حدت بالكثيرين إلى مناصرة الحمائية، أما أنصار التجارة الحرة فيرون أن الانفتاح الاقتصادي يؤدي إلى نشوء منافسة بين الشركات المحلية ونظيراتها الأجنبية مما يقود إلى محاولة الشركات المحلية تحسين المنتج وتمييزه عن سواه.

وإلى محاولة انتهاج أكثر طرق الإنتاج فاعلية وتقليلاً للتكلفة، وذلك باستخدام التوليفة المثلى من عناصر الإنتاج وذلك لتعزيز الربحية للصمود في وجه المنافسة.

وأشار في دراسته إلى أن أنصار التجارة الحرة يرون أن فرض أية قيود على التجارة من دولة ما من شأنه أن يدعو إلى إجراءات مماثلة من الدول الأخرى، مما يحد من تدفق صادرات الدولة المقيدة إلى هذه الدول، مما قد يؤدي إلى البطالة نظراً لضعف التوظيف في قطاع الصادرات، إضافة إلى التضخم نتيجة لزيادة أسعار الواردات.

ويرى هؤلاء أن التجارة الحرة تعمل على تعزيز المناخ الاستثماري وروح الريادة بسبب انعدام الخوف من القيود الحكومية، وبالإجمال فإنهم يرون أن أضرار الحمائية أكبر من فوائدها.

أما أنصار الحمائية فيسوغون لها بأسباب عديدة؛ منها الميزة النسبية الطبيعية التي تمتلكها الدول النامية في أحد عناصر الإنتاج المهمة حيث تتمتع هذه الدول برخص العمالة مما يعطيها ميزة تنافسية بالمقارنة مع الدول المتقدمة، ومما يمكنها من تصدير منتجات رخيصة إلى أسواق الدول المتقدمة كما هو حاصل بين الصين والولايات المتحدة مثلاً.

أدوات السياسة التجارية

وصنف الروسان أدوات السياسة التجارية إلى مجموعتين رئيستين: الأدوات أو القيود الجمركية، والأدوات غير الجمركية، ويقصد بالأولى الضرائب التي تفرض على الواردات أو الصادرات لدى عبورها الحدود الدولية، وهناك تعرفة جبائية؛ أي أنها تفرض بهدف جلب إيرادات للخزينة العامة، وتعرفة حمائية؛ أي تلك التي تفرض لحماية الإنتاج المحلي.

وفي النوع الأول تختار السلطات السلع التي تتمتع بمرونة سعرية منخفضة كالسلع الأساسية مثلاً، أما في النوع الثاني فتختار السلع المنافسة للإنتاج المحلي، وقد تفرض التعرفة الجمركية لتحقيق كلا الهدفين في آن.

وبالنسبة للقيود غير الجمركية فتشمل القيود الكمية والحصص وتراخيص الاستيراد واتفاقيات التجارة والدعم والإغراق والضبط الاختياري للصادرات والأسعار الاسترشادية وقواعد المنشأ والمشتريات الحكومية.

الرقابة

وقسم الروسان أنواع الرقابة المباشرة إلى ثلاثة أقسام، هي: الرقابة الضريبية: وتحتوي على الرسوم والدعم والحوافز المتعلقة بالصادرات والواردات، وتهدف الرسوم الجمركية على الواردات إلى تحويل الطلب من السلع المستوردة إلى السلع المحلية، بينما يهدف دعم الصادرات إلى التحفيز والتشجيع على التصدير، وتشمل تنمية التجارة الخارجية أيضاً تمويل وضمان الصادرات وإنشاء المناطق الحرة.

الرقابة التجارية: وتتضمن حصص الاستيراد والتصدير، إضافة إلى العوائق غير الجمركية.

الرقابة النقدية: وتضم الرقابة على الصرف ونظم سعر الصرف المتعدد.

ومن المعلوم أن فرض الضريبة الجمركية يؤدي إلى إيجاد جدار عازل بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية مما يؤثر في الأسعار النسبية ويؤدي إلى تعديل تخصيص الموارد بين الفروع الإنتاجية المختلفة، كما يؤدي إلى تعديل نمط الاستهلاك، علاوة على جمع أموال للخزانة العامة.

مفهوم الإغراق

وتطرق إلى مفهوم الإغراق، واعتبره وسيلة ملتوية لكسب السوق الخارجية على حساب المنتجين المحليين في هذه السوق، وعلى حساب المنتجين الخارجيين الذين يصدرون إليه، ولذلك فإن الدول التي تسشعر أية بادرة للإغراق تسارع إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية اقتصادها القومي فتتدخل بفرض الرسوم الجمركية التعويضية وأحيانا بمنع الاستيراد كلية.

وقد أولت اتفاقيات التجارة العالمية موضوع الإغراق أهمية كبيرة وأفردت له اتفاقاً قائماً بذاته ينص على خطوات محددة تتخذها الدولة التي تتعرض للإغراق في إطار منظمة التجارة العالمية.

وعن إبطاء تخليص الجمارك والقيود الفنية على التجارة قال الروسان إن هذه الحالة تتلكأ سلطات الجمارك في التخليص على الشحنات الواردة بغرض تقييد الواردات والحد من منافستها للإنتاج المحلي، وفي حال رغبة الدول المتقدمة في عرقلة صادرات الدول النامية الأرخص ثمناً.

ومن القيود الأخرى غير الجمركية الأسعار الاسترشادية والمشتريات الحكومية التي قد لا تستهدف تقييد التجارة بالضرورة، إذ قد تكون مجرد وسيلة لمكافحة الدعم أو الإغراق وليس لتخفيض الواردات، كما أن المشتريات الحكومية قد تكون متصلة بتنظيم الجهاز الحكومي أكثر منها أداة للسياسة التجارية.

ويضاف إلى هذا النوع من القيود القواعد والنظم المتعلقة بالرقابة على نوعية المنتجات ومتطلبات الترخيص والإجراءات الإدارية والمواصفات القياسية الفنية والاشتراطات البيئية الصحية ورسوم مكافحة الإغراق.

الاقتصاد الحر

وتطرق الروسان إلى السياسة التجارية التي تنتهجها الإمارات وهي سياسة الاقتصاد الحر وتعمل بشكل مستمر على تنويع الاقتصاد، وبما أن التجارة تشكل جزءاً مهماً من اقتصادها فإن الإمارات تعتبر من الأطراف الرئيسة الداعمة للنظام التجاري متعدد الأطراف، كما وتحرص الدولة على تنفيذ التزاماتها ضمن إطار منظمة التجارة العالمية.

وبلغت نسبة الالتزام 95% والنسبة المتبقية يعمل على تنفيذها حسب الجداول الزمنية المتفق عليها، وبالإضافة إلى ذلك فإن وزارة التجارة الخارجية في الإمارات تعمل على تحديث تقرير مراجعة السياسة التجارية للدولة الذي صدر عن الأمانة العامة لمنظمة التجارة العالمية.

ويهدف هذا التحديث إلى عرض الصورة الحقيقية للسياسة التجارية الإماراتية لتأكيد مواءمة تشريعاتها وقوانينها مع التزامات الدولة تجاه المنظمة، ولتوفير رؤية واضحة لمتخذي القرار حول التطورات الحاصلة في كافة المجالات التجارية وانعكاسات المستجدات والتطورات الاقتصادية العالمية على السياسة التجارية للدولة، إضافة إلى توصيات واقتراحات لتطوير هذه السياسة في إطار معطيات الخطة الاستراتيجية.

قوانين المنافسة

يشير التقرير إلى ضرورة سن قوانين للاستثمار والمنافسة وأهمية تحديد الأولويات وفهم كل أداة والهدف المرتبط بها بالإضافة إلى فهم إيجابياتها وسلبياتها في إطار الاستراتيجية الاقتصادية العامة للدولة وفي إطار الالتزامات تجاه المنظمات الدولية.

كما أن الاستئناس بالتجارب الناجحة لدول أخرى يساعد في توضيح الرؤية وترتيب الأولويات لتحقيق الأهداف العامة للسياسة الاقتصادية والمتمثلة في زيادة مستوى الرفاه الاجتماعي وتحسين نوعية الحياة وصولاً إلى تنمية اقتصادية مستدامة.

رأس الخيمة ـ محمد صلاح

(البيان)