رجح مصدر مسؤول في إحدى دول مجموعة العشرين أن يعلن وزراء المالية في أكبر اقتصادات في العالم خلال اجتماعهم نهاية هذا الاسبوع عن مساندتهم بقوة جهود أوروبا لتسوية أزمة ديونها لكنهم لن يعلنوا عن سياسات جديدة لمساعدتها في ذلك.

بينما حذرت غرفة التجارة البريطانية من أن بريطانيا تواجه خطر الانزلاق في الركود مجددا قائلة انه ينبغي على الحكومة ارجاء خفض الانفاق بنسبة كبيرة لحين التأكد من تعافي الاقتصاد.

وبعد عدة شهور مارست خلالها واشنطن وبكين وغيرها من الحكومات الضغوط على أوروبا لتتحرك بطريقة أكثر حسما في مواجهة الازمة يبدو الان أن صانعي السياسات في العالم يشعرون أنه قد بدأ تنفيذ استراتيجية تتمتع بفرصة معقولة للنجاح وأنه يجب منحها الوقت لتؤتي ثمارها.

لذا من المرجح أن يثني وزراء المالية ورؤساء البنوك في مجموعة العشرين خلال اجتماعهم يومي الرابع والخامس من يونيو في كوريا الجنوبية على أوروبا ويشكلون جبهة موحدة للتصدي للازمة على أمل طمأنة أسواق المال.

ويوم الاربعاء الماضي قال وزير الخزانة الاميركي تيموثي جايتنر في لندن ان الحكومات الاوروبية تعاونت في صياغة برنامج قوي للغاية من الاصلاحات النقدية وتعهدت بالتزام قوي للغاية على الصعيد المالي مضيفا أن من الضروري الان البدء في تطبيق الخطط.

واستبعد مسؤول في احدى دول المجموعة يشارك في تحضير الاجتماع أن تعلن اوروبا أو مجموعة العشرين عن أي سياسات جديدة في الوقت الراهن اذ انه تم الكشف للتو عن خطوات معالجة الازمة ويجري تنفيذها الان.

ورجح المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه ان يؤكد الاجتماع على أن أوروبا ستنفذ خطتها وأن الاسواق ستستقر.

تحذيرات بريطانية

إلى ذلك حذرت غرفة التجارة البريطانية من أن بريطانيا تواجه خطر الانزلاق في الركود مجددا قائلة انه ينبغي على الحكومة ارجاء خفض الانفاق بنسبة كبيرة لحين التأكد من تعافي الاقتصاد.

وفي أحدث التوقعات الاقتصادية التي نشرت أمس رفعت الغرفة توقعاتها للنمو هذا العام الى 3 .1 بالمئة من واحد بالمئة في توقعاتها في مارس لكنها خفضت توقعاتها للنمو في 2011 الى اثنين بالمئة مقارنة مع مستوى معدل بالخفض بلغ 1 .2 بالمئة في مارس.

وبدأ الاقتصاد البريطاني الخروج من أعمق ركود يمر به منذ الحرب العالمية الثانية ويقول صناع السياسة ان الانتاج الاقتصادي قد يستغرق سنوات حتى يعود لمستويات ما قبل الركود.

وقال ديفيد كيرن كبير الخبراء الاقتصاديين بالغرفة مازال التعافي ضعيفا ولن يكون من الحكمة التغاضي عن خطر الانزلاق في الركود مجددا.

وأضاف أزمة منطقة اليورو واضطراب الاسواق المالية العالمية يهددان بخفض توقعات النمو البريطاني.

ويذهب نحو نصف الصادرات البريطانية الى منطقة اليورو وقد تؤدي اجراءات التقشف الصارمة التي تأخذها بعض دول تكتل العملة الموحدة المثقلة بالديون الى تراجع الطلب بشدة على السلع البريطانية مما سيجردها من بعض مزايا ضعف الجنيه الاسترليني.

وأشاد كيرن بعزم الحكومة البريطانية الجديدة على التصدي لعجز الميزانية البالغ 11 بالمئة تقريبا من الناتج المحلي الاجمالي لكنه حذر من أن أي خفض كبير سابق لاوانه في الانفاق يخاطر بتعطيل مسيرة التعافي.

وقال كيرن لا ينبغي تطبيق أي اجراءات أخرى لتشديد الميزانية بما يتجاوز الستة مليارات استرليني التي أعلن عنها بالفعل الا عند التأكد من تمام التعافي

قلق العجز

وفي وقت سابق من الشهر انتابت حكومات مجموعة العشرين حالة من القلق من عجز بعض الدول الاوروبية عن حشد الارادة السياسية اللازمة لمواجهة مشكلات ديونها العامة.

وتحدث الرئيس الامريكي باراك أوباما بشكل شخصي الى رئيس الوزراء الاسباني خوسيه لويس رودريجيث ثاباتيرو لحثه على تطبيق اصلاحات في الميزانية. وعقد مسؤولون في المجموعة مؤتمرات عبر الهاتف لبحث السياسة الاوروبية.

ومنذ ذلك الحين أعلنت أوروبا عن استراتيجية من شقين. يتمثل الشق الاول في مجموعة من برامج التقشف الوطنية تستهدف خفض العجز العام والدين الحكومي الى نسب آمنة من الناتج المحلي الاجمالي خلال السنوات القليلة المقبلة.

وأعلنت الدول المثقلة بأكبر ديون في منطقة اليورو وهي اليونان والبرتغال واسبانيا وايطاليا عن اجراءات تقشف هذا الشهر. وحتى فرنسا ذات الموقف الاقوى تحركت وأعلنت اعتزامها أن ينص الدستور على خفض العجز.

أما الشق الثاني من الاستراتيجية فيتمثل في مساندة طارئة في شكل سيولة من الدول الغنية لافساح الوقت لاجراءات التقشف كي تؤتي ثمارها ويضمن ذلك أن تحتفظ الدول بقدرتها على الحصول على التمويل حتى وان عجزت عن تمويل نفسها في سوق السندات كما هو حال اليونان.

وبالاضافة الى خطة لانقاذ اليونان قيمتها 110 مليارات يورو تمد البلدان الاوروبية شبكة أمان مالي للدول المثقلة بالديون يمكن أن تصل الى جانب المساندة التي سيقدمها صندوق النقد الدولي الى 750 مليار يورو وهو ما يمثل ثلاثة أرباع اجمالي الدين العام لليونان والبرتغال وايرلندا وأسبانيا.

موقف الأسواق

بيد أن هذه الاستراتيجية لم تطمئن الاسواق سوى بصورة جزئية كما يظهر من استمرار القيود على السوق النقدية بين البنوك في منطقة اليورو. وهناك ايضا شكوك بشأن رغبة بعض الدول في تمويل الدول المدينة طالما تدعو الحاجة.

وأظهر استطلاع لرويترز ان قليلا من المحللين يعتقدون أن تدابير التقشف التي اخذتها اليونان وربما دول أخرى لن تجدي نفعا اذ أن هذه الدول معسرة على نحو كبير مما يجعل اعادة هيكلة الديون أمرا لا مفر منه في نهاية المطاف.

وتسعى المانيا الى ارساء اسلوب منظم للتعامل مع حالات الاعسار المالي في الدول المثقلة بالديون في منطقة اليورو بهدف معالجة هذا الوضع الطاريء.

لكن مسؤولين أوروبيين قالوا علانية ان الاسواق هشة بدرجة لا تسمح لاي دولة بأن تجازف باعادة هيكلة ديونها في الوقت الحالي دون أن يفجر ذلك أزمة مالية أوسع نطاقا.

سياسات التقشف

كما تخشى مجموعة العشرين من أن تكبح سياسات التقشف الاوروبية انتعاش الاقتصاد العالمي من حالة الركود. ويقول مسؤولون في المجموعة ان هذا سيكون قضية رئيسية على جدول المناقشات خلال الاجتماع. ويمكن أن توجه أي عملية لاعادة هيكلة الديون في أوروبا ضربة جديدة للنمو من خلال الاضرار بالبنوك التجارية.

وحتى الان تبدو المجموعة راغبة في أن تلقي بثقلها وراء جهود أوروبا لعزل نفسها عن الاسواق من خلال القروض الطارئة بينما تحاول معالجة أزمة ديونها.

وبدا أن جيمس بولارد رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي في سان لويس وهو مسؤول أمريكي بارز في الشؤون النقدية يساند هذا التوجه خلال زيارة الى ستوكهولم يوم الخميس الماضي وقال ان أوروبا اشترت وقتا لحكوماتها.

وأضاف اذا كان هناك نوع من اعادة الهيكلة في المستقبل... فربما يكون بعد عدة سنوات من الان.

رسالة تضامن

ورجح مسؤول اخر من احدى دول مجموعة العشرين ان توصل المجموعة رسالة وحدة وتضامن مع أوروبا خلال الاجتماع المقبل.

ويمكن أن يساعد ذلك في حد ذاته في طمأنة الاسواق التي اجتاحها الاضطراب الاسبوع الماضي عندما شقت المانيا صف اجماع عالمي بشأن تنظيم أسواق المال وحظرت بصورة فردية بعض أنواع البيع على المكشوف.

ومن شأن اقناع المستثمرين بأن مجموعة العشرين لا تزال تتحرك صوب التوصل لاتفاق بشأن التنظيم المالي وأنها تحاول على الاقل تنسيق السياسات النقدية بهدف حماية النمو الاقتصادي أن يهديء اضطراب الاسواق.

وقال بيير كارلو بادوان كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يمكن أن يوجهوا اشارة قوية للاسواق العالمية بانهم يعنون ذلك سياسيا عندما يقولون انهم يريدون تنسيق السياسات.وتابع: الجهد المشترك والاستثمار السياسي الجماعي من مجموعة العشرين سيعود بالنفع على الجميع.

وفي أبريل 2009 مثل اظهار الوحدة من جانب زعماء مجموعة العشرين خلال قمة في لندن بداية انتعاش الاسواق من الازمة المالية العالمية وربما أسهم في عودة الثقة. ويمكن لاجتماع هذا الاسبوع وقمة قادة المجموعة المقبلة التي تعقد في تورنتو بكندا في أواخر يونيو أن يكون لهما نفس التأثير على أزمة ديون أوروبا.

خيارات بديلة

ويعتقد محللون أنه أمام حكومات المجموعة وبنوكها المركزية عدد من الخيارات السياسية البديلة اذا ما تفاقمت الازمة من بينها أن يخفض مجلس الاحتياطي الاتحادي الامريكي (البنك المركزي) سعر الفائدة الذي يفرضه على البنك المركزي الاوروبي عن مبادلات بالدولار وهو ما قام المجلس باستعادة العمل به هذا الشهر لتهدئة التوتر في أسواق النقد الاوروبية.

وكان استخدام البنوك التجارية للمبادلات ضعيفا وهو ما ألقى بعض المتعاملين باللوم فيه على السعر. لكن بولارد قال هذا الاسبوع انه يعتقد أن استخدام المبادلات تراجع لان القيود المالية كانت أقل صرامة مقارنة بها في أواخر عام 2008.

ومن بين الخيارات الاخرى في حال قوض ضعف اليورو بصورة مفرطة الثقة في أصول منطقة اليورو تدخل منسق من قبل البنوك المركزية الرئيسية في مجموعة العشرين لدعم العملة الموحدة.

لكن حتى الان لم يبدأ المسؤولون في البنك المركزي الاوروبي في اصدار تحذيرات شفهية عن الضعف المفرط لليورو ويدركون أن هبوط اليورو لاقل مستوى له في أربع سنوات يساعد في استمرار النمو الاقتصادي في المنطقة.

واذا ما تدهورت الظروف المالية بصورة أكبر سيكون لدي المركزي الاوروبي خيارات من بينها خفض اخر في أسعار الفائدة الرسمية التي بلعت انخفاضا قياسيا وتوسع هائل في شراء السندات الحكومية. لكن هذه خطوات جوهرية يمكن أن تعتبرها الاسواق مؤشرات على الفزع لذا يتوقع أن يحتفظ بها البنك المركزي كبديل في المستقبل المنظور.

وزير مالية اليونان: لن نعيد جدولة الديون

قال جورج باباكونستانتينو وزير المالية اليوناني ان بلاده لن تعيد جدولة ديونها ولن تحتاج لمزيد من التخفيضات لتحقيق الاهداف المالية التي حددتها في برنامج التمويل الطاريء الذي اتفقت عليه مع الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي .

وطرحت على اليونان المثقلة بالديون خطة انقاذ حجمها 110 مليارات يورو (134 مليار دولار) لتفادي التخلف عن سداد ديونها ووعدت في المقابل بخفض العجز بواقع 11 نقطة مئوية من اجمالي الناتج المحلي وجعله اقل من الحد الاقصى للاتحاد الاوروبي والذي يبلغ ثلاثة في المئة بحلول عام 2013.

وتخشى الاسواق من احتمال ان تؤدي اجراءات التقشف القاسية لضمان الصفقة الى اغراق الاقتصاد في ركود اعمق وتهديد وفائه باهدافه المالية مما يؤدي الى اطالة امد ازمة الديون التي تواجه اليونان.

وقال باباكونستانتينو لصحيفة «ايلفيثيروتيبيا» نشرته أمس ان اليونان لن تحتاج الى اجراءات اضافية ولاسيما اجراءات مؤلمة .لا أرى سوى خيار واحد مستقبلا وهو الوفاء باهدافنا بشكل ثابت. ومن المتوقع ان يبقى الاقتصاد اليوناني في حالة ركود للعام الثاني في 2010 بعد تراجع بنسبة اثنين في المئة في 2009.

ويتوقع بنك اليونان ان يتفاقم الانكماش الاقتصادي مع توقع تراجع اجمالي الناتج المحلي بنسبة اربعة في المئة هذا العام مع ظهور اثر زيادة الضرائب والتخفيضات في الاجور والمعاشات.

وقال باباكونستانتينو للصحيفة ان الركود سيكون اعمق في 2010 وبعد ذلك سيكون هناك انتعاش تدريجي. ومازلت متفائلا واعتقد اننا سننتعش بسرعة. واكد الوزير موقف الحكومة الاشتراكية بان اعادة جدولة الديون ليس خيارا الان او في المستقبل.

اجراءات التقشف الجديدة في اوروبا

تبنت عدة دول اوروبية خطط تقشف صارمة في محاولة لخفض ديونها وعجز موازناتها بعد ان هدد اقتراب اليونان من حافة الافلاس في وقت سابق هذا العام، باضطراب الاسواق المالية العالمية.

وفي ما يلي ابرز اجراءات التقشف التي اعلنت في اوروبا حتى الان:

بريطانيا:

دانت الحكومة الائتلافية الجديدة في بريطانيا النفقات غير المجدية واعلنت تخفيضات في الموازنة بقيمة 25 .6 مليارات جنيه استرليني (9 مليارات دولار، 16 .7مليارات يورو) تح ما اثار استياء اتحادات العمال ورضا المستثمرين.

وتتضمن الاجراءات تجميد التوظيف في الوظيفة العامة وخفض العدد الكبير من البرامج الموروثة من حكومة حزب العمال مثل مشاريع تكنولوجيا المعلومات والعقود الاستشارية.

الدنمارك:

قالت الحكومة في الدنمارك التي كانت تملك احد اسخى الانظمة الاجتماعية في العالم، انها تريد خفض البطالة والتعويضات العائلية ورواتب الوزراء. ولا تزال الخطة بحاجة الى موافقة البرلمان.

فرنسا:

اعلنت الحكومة الفرنسية تجميد النفقات العامة لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من 2011

وتريد رفع سن التقاعد الرسمي من الستين عاما بعد ان خفضته من 65 عاما في ظل ولاية الرئيس فرانسوا ميتران.

اليونان:

خفضت الحكومة اليونانية 8 .4 مليارات يورو في مارس والحقت ذلك بتخفيضات بقيمة 30 مليار يورو في مايو في محاولة لطمأنة الاسواق المالية وتخفيض عجز موازنتها المرتفع جدا. وتتضمن الاجراءات الجديدة زيادة ضريبة المبيعات (الضريبة على القيمة المضافة).

وتخفيضات في رواتب الموظفين في القطاع العام. وتخطط الحكومة ايضا لوضع نظام جديد متكامل لتعويضات التقاعد بهدف خفض التكاليف وتخطو خطوات اضافية في مكافحة التهرب الضريبي.

ايرلندا:

تبنت ايرلندا خطتي تقشف في 2009 بقيمة عدة مليارات من اليورو في محاولة لخفض عجزها العام الى 5 .11% في 2010 من 3 .13% في 2009 تح اعلى مستوى في منطقة اليورو. وتتضمن الاجراءات خفض قيمة التعويضات الاجتماعية وخفض الرواتب في الوظيفة العامة بين 5% و15%.

ايطاليا:

وافقت الحكومة الايطالية على اجراءات تقشف بقيمة 24 مليار يورو للعامين 2011-2012.

وتتضمن تجميد رواتب الموظفين في القطاع العام لمدة ثلاثة اعوام وخفض مخصصات الوزراء وفرض رسوم جديدة على خيارات المخزونات والعلاوات.

البرتغال:

وضعت البرتغال خطة تقشف تشمل زيادة الضريبة على المبيعات بنسبة 1% لتصل الى 21% وخفض رواتب موظفي القطاع العام وفرض ضريبة اضافية على ذوي الدخل المرتفع.

وتأتي هذه الاجراءات في بداية خطة تقشف اعلنت في وقت سابق هذا العام وتشمل إرجاء استثمارات عامة وبيع اصول حكومية وكذلك تخفيضات في رواتب موظفي القطاع العام.

اسبانيا:

وافق البرلمان الاسباني في 28 مايو في جلسة واحدة على خطة تقشف بقيمة 15مليار يورو وتتضمن خفض رواتب موظفي القطاع العام. وتاتي هذه التخفيضات في مقدمة سلسلة اجراءات تقشف تصل قيمتها الى خمسين مليار يورو كانت اعلنت في يناير.

وتشمل الاجراءات تجميد الرواتب في القطاع العام اعتبارا من 2011. وسيتم تجميد معاشات التقاعد في 2011 باستثناء تلك العائدة للاكثر فقرا.

(رويترز)