قوله تعالى «اقرأ باسم ربك الذي خلق»
كثيراً ما شغلني قول الحق تبارك وتعالى: «اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم» أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، ومع ذلك تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم عن رب يعرفه، وتشير إليه بما يعلم عنه يقيناً، فهو الذي خلق، وخلق الإنسان من مادة بشرية، كما أنه المصدر الأول لتعليم الإنسان ما لم يعلم!
وقد يلوح للخاطر سؤال: كيف بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُوحى إليه، وهو الذي لم ينتظم يوماً في مدرسة، ولم يجلس بين يدي معلم من المعلمين يوماً، يخاطب خطاب من يعلم يقيناً من هو ربه، ويعلم كذلك صنع ربه في كونه؟!
ولكن يزول العجب، حين تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه كان نقي الفطرة، صافي الوجدان، وأن هذه المعرفة تنطق بها الفطرة قطعاً، دون حاجة إلى تعليم أو تثقيف من أحد، فليس هناك على مرّ الأزمان من ينكر وجود هذا الرب، حتى مشركو مكة لم يجحدوا الرب، وإنما جحدوا الإله، أي المعبود، فالقرآن الكريم حاكياً عنهم يقول: «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون، الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، إن الله بكل شيء عليم.
ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله، بل أكثرهم لا يعقلون». ويقول رب العزة: «قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون». فهناك في خلقة الإنسان نزع ضارب بفطرة الله مقر بوجوده، على أي سبيل كان، مذكر بالفطرة الأولى، حينما استخرجه رب العزة من ظهر أبيه آدم، وأشهده على نفسه وخلقته، فقال رب العزة: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين».
فجميع ذرية آدم أخذت من ظهره على هيئة الذر، وأشهدها الحق تبارك وتعالى على الخلق والتسوية فأقرت وشهدت، وبقي هذا الإقرار والاعتراف قائماً في سويداء فطرتها، لا يفسد إلا عند من انطمست فطرته، وفسدت بصيرته، ومع ذلك يقرون بخالق يسمونه شيئاً آخر غير الله، ومن أجل ذلك نصح النبي صلى الله عليه وسلم المحيطين بالمولود الحفاظ على نقاء فطرته فقال: «كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». وقال: «افتحوا على أولادكم أول كلمة بلا إله إلا الله».وهكذا نجد أن هذه الآيات خاطبت النبي صلى الله عليه وسلم عن رب يعرفه، ويتعبد له، وليس رباً مخلوقاً من الأرباب المصنوعة زوراً وبهتاناً حول الكعبة وبداخله .
علي عيد
