ابن منظور هو محمد بن مُكرَّم بن عليّ بن أحمد بن حبقة الأنصاري الإفريقي. كان يُنسب إلى رُوَيْفِع بن ثابت الأنصاري، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتهر بنسبته إلى جده السابع «منظور» اذ عنده يقف أكثر من ترجموا له، وُلِدَ ابن منظور في مصر في شهر المحرم سنة 630 هـ / سنة 1232 م وتوفي في القاهرة سنة 711 هـ / 1311م.
حين شرع «ابن منظور» في عمل معجمه «لسان العرب» قدم له بمقدمة ذكرت شيئاً من المناهج التي اعتمدها، ومناهج الكتب التي كانت مرجعاً له ورأى ان يجمع من تلك المراجع خالصها، وان يرتب هذا الخالص الذي اجتمع على تبويب «مختار الصحاح» أي يلتزم الحرف الأخير من الكلمة، يجعله باباً، ثم يفرع على الباب فصولاً، يجعل رموزها الحرف الأول من كلمات الباب.
اتم «ابن منظور» تأليف كتابه «اللسان» نحو 681هجرية، كما اثبت ذلك بخطه في آخر الكتاب. ويحسن بنا ان نعرض لبعض مقتطفات مقدمة اللسان التي تبين ورع المؤلف وتدينه ومنهجه في البحث يقول ابن منظور: (أما بعد فإن الله سبحانه قد كرَّم الإنسان وفضله بالنطق على سائر الحيوان، وشرَّف هذا اللسان العربيَّ بالبيان على كل لسان، وكفاه شرفا أنه به نزل القرآن، وأنه لغة أهل الجنان. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحبوا العرب لثلاث: لأني عربيّ، والقرآن عربيّ، وكلام أهل الجنة عربيّ).
ثم يقول (فاستخرت الله سبحانه وتعالى في جمع هذا الكتاب المبارك، الذي لا يُساهَم في سعة فضله ولا يُشارَك، ولم أخرج فيه عما في هذه الأصول، ورتبته ترتيب الصحاح في الأبواب والفصول؛ وقصدت توشيحه بجليل الأخبار، وجميل الآثار، مضافا إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم، والكلام على معجزات الذكر الحكيم، ليتحلى بترصيع دررها عقده، ويكون على مدار الآيات والأخبار والآثار والأمثال والأشعار حله وعقده؛ فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك بالنهاية، وجاوز في الجودة حد الغاية، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها، فوضعت كُلًّا منها في مكانه، وأظهرته مع برهانه؛ فجاء هذا الكتاب بحمد الله واضح المنهج سهل السلوك، آمنا بمنة الله من أن يصبح مثل غيره وهو مطروح متروك.
عظُم نفعُه بم اشتمل من العلوم عليه، وغني بما فيه عن غيره وافتقر غيرُه إليه، وجمع من اللغات والشواهد والأدلة، ما لم يجمع مثلُه مثلَه؛ لأن كل واحد من هؤلاء العلماء انفرد برواية رواها، وبكلمة سمعها من العرب شفاهًا، ولم يأت في كتابه بكل ما في كتاب أخيه، ولا أقول تعاظم عن نقل ما نقله بل أقول استغنى بما فيه؛ فصارت الفوائد في كتبهم مفرقة، وسارت أنجم الفضائل في أفلاكها هذه مغرّبة وهذه مشرّقة؛ فجمعت منها في هذا الكتاب ما تفرّق، وقرنت بين ما غرّب منها وبين ما شرّق، فانتظم شمل تلك الأصول كلها في هذا المجموع، وصار هذا بمنزلة الأصل وأولئك بمنزلة الفروع، فجاء بحمد الله وفق البُغية وفوق المُنية، بديع الإتقان، صحيح الأركان، سليما من لفظه لو كان.
حللت بوضعه ذروة الحفاظ، وحللت بجمعه عقدة الألفاظ ثم يقول (.. فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ ولأن العالِمَ بغوامضها يعلم ما توافق فيه النيةُ اللسانَ، ويخالف فيه اللسانُ النيةَ، وذلك لِما رأيتُه قد غلب، في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطقُ بالعربية من المعايب معدودًا.
وتنافس الناسُ في نصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُهُ بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه منه يسخرون، وسميته [لسانَ العرب] وأرجو من كرم الله تعالى أن يرفع قدر هذا الكتاب وينفعَ بعلومه الزاخرة، ويصلَ النفع به بتناقل العلماء له في الدنيا وبنطق أهل الجنة به في الآخرة .
أحمد عبد المجيد