كثير من الآيات في القرآن الكريم تدعو إلى استعمال العقل والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية وآيات الله القرآنية، وبما أن للعقل البشري حدوداً لا يستطيع أن يتخطاها، فقد أرسل الله سبحانه إلى الناس الأنبياء والرسل لإخبارهم بما يعجز عقلهم البشري وحواسهم البدنية، وتعجز كل المخترعات عن الوصول إليها، فأعلمهم بالجنة والنار، والملائكة، وصفات الله وأسمائه، والبعث والحساب، ونعيم القبر وعذابه.وجعل الله سبحانه وتعالى التفكير فريضة إسلامية، فقال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ». (آل عمران/190).
ويرى الدكتور نظمي خليل أبو العطا موسى أستاذ علوم النبات في جامعة عين شمس سابقاً أن هناك فرقا بين المخ و العقل، فالمخ عضو بدني يوجد في الكائنات الحية بدءًا من طائفة الحشرات إلى طائفة الثدييات والإنسان، وهو في كل هذه الطوائف تركيب خلوي مادي يتكون من العقد والخلايا العصبية في تباين واضح بين الأجناس الحية.
أما العقل فهو ملكة الإدراك والتفكير والإبداع، وقد اختلف العلماء في ماهيته ومكانه اختلافاً كبيرا، ويعتبر التفكير والإبداع أعلى مراتب الإدراك للعقل، وقد ميز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل المدرك والمميز والواعي والمبدع والمفكر والخلاق، والمخ نعمة إلهية أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الكائنات الحية، والتفكير نعمة أنعم الله بها على كثير من بني البشر، وسلبها من بعضهم، وجعل الله سبحانه وتعالى العقل مناط التكليف، فمن فقد عقله بالنوم أو المرض أو الإغماء أو بالصغر سقط عنه التكليف، ورفع عنه القلم.
ويضيف أنه عندما نزل قول الله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة/164)، حذرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من عدم التفكر فيها، فقال عليه الصلاة والسلام: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»، وهو تفكر الباحث العالم الذي يصل إلى أهمية اختلاف الليل والنهار لاستمرار الحياة على الأرض، وإزهار النبات، وتكاثر الحيوان ونموه، ويبحث عن كيف يحيي الله الأرض بالماء فتنتشر فيها الكائنات الحية الفطرية والبكتيرية والفيروسية والحيوانية والنباتية، ويدرس التنوع الحيوي للكائنات الحية في الأرض وما بث الله فيها من كل دابة، وسخر الرياح لتلقيح النبات ولحمل الطير والسحاب والمطر في دورة المياه ورفعه وإنزاله، كلها ظواهر كونية من لم يتفكر فيها غضب الله عليه لتعطيل نعمة التفكير والكفران بها، فالتفكير فيها فريضة إسلامية.
وقد أدرك الأديب محمود عباس العقاد رحمه الله هذه الحقيقة الإسلامية ،فأعد بحثاً بعنوان «التفكير فريضة إسلامية» قدمه للمؤتمر الإسلامي في ستينات القرن العشرين الميلادي، ونشر في كتاب قال فيه: «القرآن لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه..».