قال الشيخ: ذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال: يأتي زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء، قيل: مم ذاك يا رسول الله؟ قال مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» رواه أحمد.

وذكر الأوزاعي عن أبي هريرة قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: اذا خفيت الخطيئة لم تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة.

وأمة الإسلام اكتسبت الخيرية من كونها أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).

فمن أسباب اكتساب القلب السليم الذي لا ينفع غيره يوم القيامة القيام بعزيمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واننا في زمان يرى الواحد فينا المنكر على أهله أو ولده فلا يعبأ بذلك قائلا إنها سنة الزمان الذي تغير وان ما كان يصلح الأمس.

لم يعد يصلح اليوم، والله اشد غيرة على محارمه، ذكر الامام أحمد عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله، فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء فقال: مهلا يا بني.. مهلا يابني

فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه، فأوحى الله إلى نبيهم: أن أخبر فلانا الحبر، أني لا أخرج من صلبك صديقا أبدا، ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلا يابني.

ولا يفهم من ذلك أن الأصل هو استخدام الشدة ما دام الأقل والألطف يجدي، ولكن الأمر يعني هنا ان من صفات القلب الحي السليم الذي نطمح إلى أن نلقى الله به يوم القيامة الغيرة والغضب على محارم الله، سيما ان ظهرت في الأقارب من أهل وولد وجوار، ولا يسكت عن منكر إلا شيطان أخرس.

ومن لطيف ما ذكره العمري الزاهد: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه.

ونحن اليوم غرقى في مخاض المعاصي والمنكرات وليس فينا نبض القلوب السليمة التي ترفض المنكر وتنهى عنه وتحاصره، وقد شاع بين الناس أن من حق الأولاد ان يعيشوا زمانهم وان تكون لهم رؤاهم وخياراتهم، وانه لا يجوز في حال من الأحوال أمرهم أو نهيهم أو نصحهم لاختلاف الأزمنة والتجارب وخوفا على ذواتهم وشخصياتهم من أن ينالها الوهن أو الضعف، ونحن بحاجة إلى رجال... ولكن أي رجال سيكون أبناؤنا وهم في لهوهم وعبثهم يلعبون.

واعلموا اننا جميعا نتهاون هذه الايام في معاص نراها فينا أو في أهلنا أو في أولادنا، وهي مما يخاف عقباه وتطوره، ذلك أن المعاصي جرارة، والبذرة منها سرعان ما تنتج مزرعة، قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق والمرض بريد الموت.

وقد شاعت ثقافات عن طريق الإعلام وغيره لا تستحي من الله ورسوله، وانها لتذكر بنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن تصدر الرويبضة في المجالس ـ والرويبضة الإنسان التافه الذي لا عقل ولا فكر له ـ ومن هذه الثقافات ما يقال عن السلطة الأبوية وضرورة التحرر منها، والمجتمعات الذكورية التي يسيطر فيه العقل، الدين، الفكر، القانون.. ،الذكري، وأنه لا بد من تحرير المجتمعات العربية من هذه السيطرة ليأخذ كل ذي حق حقه.

فإن صح هذا الهراء عند أقوام لا يجوز أن يصح عند المسلمين الذين ارتضوا الإسلام دينا ومحمدا صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا والقرآن الكريم كتابا منزلا ولا بد أن نواجه هذه الأخطاء والأخطار بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما أمكن ذلك، فهذا مصداق القلب السليم عند الله تعالى دون أن يعني ذلك أن نلقي أيدينا في التهلكة من جهة، ودون أن نجبن أو تشغلنا المشاغل عن الغيرة على دين الله من جهة أخرى، عسى أن يتغمدنا الله بفضل منه ورحمة.

ماهر سقا أميني