عن أبى نجيح العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ قال: «وعظنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ موعظةً بليغةً؛ وَجلَتْ منها القلوب، وذرفت منها العيون؛ فقلنا: يا رسول الله: كأنها موعظةُ مُوَدِّعٍ؛ فأوصنا؛ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة؛ وإن تأمر عليكم عَبْدٌ حبشي؛ وإنه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي، وَسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عُضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم محدثاتِ الأمور؛ فإنَّ كل بدعة ضلالةٌ، وكلّ ضَلالَةٍ في النَّارِ»، قال الترمذي: حديث حَسَنٌ صحيح.

والحديث الشريف: وصية من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته من بعده: بالتقوى، ولزوم الجماعة، واتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وتحذيرٌ من اتباع البدع.

وبالحديث الشريف من اللطائف البلاغية ما يلي:

1 ـ المفردات سهلة واضحة فصيحة؛ لا ثِقَلَ فيها ولا غموض ولا التواء؛ وقد حلَّت فى أماكنها متآخيةً متآلفة.

2 ـ والعبارات موجزةٌ موحيةٌ دالة على معانيها؛ بل إنها لتنقلك إلى مواقع الأحداث من حيث لا تشعر؛ فهي تهدأ في مواطن الهدوء، وتقوى وتشتد في مواطن الجلبة والشدة؛ تجد ذلك في قوله ـ صلى الله عليه سلم -: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة)، فهي هادئة هدوء مقامها؛ وهو: مقام النصيحة من نبي مودع لقومه إلى لقاء ربه ـ جلَّ وعَلاَ - . وفى قوله: (وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ) فهي قوية شديدةٌ شِدَّةَ مقامها الذي استوحاه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مقام تكثر فيه الجلبة، ويشتد الخلاف حول من يكون أميراً؛ وكذلك القول في: (عضّوا عليها بالنواجذ) فلا يخفى ما فيها من إيحاء بالشدة والقوة حينما يكثر الخلافُ، ويشتد الهرج والمرج.

3 ـ التأكيد في جملتي: (إنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) و(فإن كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ب(إنَّ) و(اسمية الجملة) فقد أكدت الأولى؛ لأنها جملة خبرية يخبر فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما سيحدث بعده؛ بل وبعد الخلفاء الراشدين من اختلاف حول من يكون أميراً على المسلمين ـ والصحابة الذين كانوا حاضرين وقت هذه الوصية ـ وإن لم يكونوا منكرين بما يخبر به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غيبيات؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ـ إلا أنهم نُزِّلُوا مَنْزِلَة المنكرين لركونهم إلى الهدوء والاستقرار الذي كان سائداً في وجود النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وربما كان من بينهم من هو ضعيف الإيمان من المنافقين؛ فأكد النبي ـ عليه السلام ـ لهم تلك الحقيقة التي يخبرهم عنها بإن واللام واسمية الجملة؛ حيث إنه يتصدرها ضمير الشأن.

وكذلك القول فى (فإن كل بدعة ضلالة) فهي جملة مؤدة بإن وباسمية الجملة؛ لأنه لما قال: (وإياكم ومحدثات الأمور) أي البدع، ثار تساؤل حول ما يبتدع من أمور؛ فأكد لهم أن البدع تؤدى إلى الضلال. 4 ـ الاستعارة بالكناية فى (أوصيكم بتقوى الله) و(السمع والطاعة)؛ فقد جسد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمور المعنوية بأشياء حسية يحتفظ بها؛ وكأنها جواهر ثمينة يجب صيانتها والاحتفاظ بها إلى وقت الاحتياج إليها؛ وإنها لكذلك. أما قوله: (وكل ضلالة في النار) فمعناه: كل ضلالة صاحبها في النار.

5 ـ التشبيه البليغ في قوله: (إن كل بدعة ضلالة)، فالبدعة تؤدى إلى الضلال؛ لكنه شبهها بالضلالة؛ للإشارة إلى خطورة البدعة؛ وأنها تجرف صاحبها إلى الضلال الذي يهوي به إلى النار!.

6 ـ التعريف والتنكير: فالتعريف في (الخلفاء) للتعظيم؛ ولهذا وصفهم بالراشدين المهديين زيادة في تعظيمهم، والتنكير في (عبد) للتحقير؛ ولهذا وصفه بأنه حبشي للإشارة إلى لونه؛ أي لا يشترط أن يكون عربياً من أشراف قريش؛ فلا فضل لعربي على عجمي؛ ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى؛ فلا عصبية، ولا عنصرية في الإسلام.

7 ـ ومن المحسنات البديعية: الاحتباك؛ وهو: أن يحذف من إحدى العبارتين ما يذكر في الثانية، ويحذف من الثانية ما يذكر فى الأولى؛ ففي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي)؛ لأن المعنى: فاسمعوا وأطيعوا لمن تأمر عليكم، وإن تأمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا وأطيعوا؛ فحذف من الأولى: (لمن تأمر عليكم) لذكرها في الثانية؛ وحذف من الثانية (فاسمعوا وأطيعوا) لذكرها في الأولى؛ وهذا من البلاغة النبوية بمكان عليٍ.