قال عدنان يوسف رئيس اتحاد المصارف العربية في تصريحات لـ «البيان» ان الدول ومنها الامارات والتي ابقت على استمرار ربط عملتها بالدولار ولم تغيره وسط تصاعد حدة الاقلام التي تنادي بتغيير الدولار ليصبح يورو او سلة عملات تكون الحصة الاكبر فيها لصالح اليورو اثبتت نجاح رؤيتها الاقتصادية حاليا بعد ان تهاوى اليورو نتيجة ازمة اليونان مؤكدا انه طالما اكد ان تراجع الدولار امام اليورو خلال الفترة الماضية جاء نتيجة ضعف نسبي في العملة الامريكية وليس بسبب قوة اليورو مشيرا الى انه يجب عدم اغفال ان معظم صادرات دول الخليج والدول العربية من النفط مقومة بالدولار.
واميركا سوق ضخم تعتمد عليها غالبية الدول الصناعية في العالم، الى جانب ان معظم الاستثمارات والفوائض المالية لدول الخليج هي بالدولار أيضاً.
وأضاف يوسف: علينا بالتالي الا ننظر لمثل هذه الامور نظرة عاطفية وانما نفكر فيها بطريقة عقلانية لأن الدول تتعامل بعملة شريكها التجاري القوي، ولان اميركا لديها قوة الشراكة مع هذه الدول فيجب استمرارية الربط مع الدولار.
وقال خلال ندوة نظمتها كلية دبي للادارة الحكومية في مقرها امس بدبي ان الأزمة المالية الحالية والتي بدأت بنهاية العام 2007 في شكل أزمة الرهن العقاري وما زالت مستمرة حتى الآن تعتبر هي الأسوأ منذ العام 1930.
وتسببت في حدوث واحد من أسوأ حالات الركود الاقتصادي الذي طالت تأثيراته كافة أنحاء العالم مشيرا الى ان الأزمة ولدت نتيجة لغياب الإحساس بالمسؤولية سواء في وول ستريت قلب النظام المصرفي أو حتى لدى المسؤولين عن مراقبة الأداء المالي في واشنطن.
ونتيجة لغياب ذلك الإحساس حدثت الأزمة المالية التي أدت إلى إفلاس العديد من الشركات والمؤسسات التي اعتبرت لفترة طويلة من الزمن أكبر من أن تنهار وقادت الاقتصاد الوطني والعالمي إلى حافة السقوط في أزمة شبيهة بأزمة الانهيار الاقتصادي الكبير.
واوضح ان حالة عدم التوازن الهيكلي للتدفقات الرأسمالية بدأت في الظهور بنهاية النصف الثاني من عقد التسعينات، حيث شهدنا خلال هذه الفترة أن معدلات الادخار القومي مقارنة مع الاحتياجات الرأسمالية للدولة المتقدمة اقتصاديا كانت منخفضة للغاية، وفي نفس الوقت كانت الفوائض الادخارية مقارنة بالاحتياجات الرأسمالية للأسواق الناشئة مرتفعة للغاية .
وتعزى أسباب ارتفاع معدلات الادخار القومي في هذه الدول بشكل أساسي لتنامي معدلات النمو الاقتصادي خاصة في دول شرق آسيا، وقدرة هذه الاقتصادات على بناء احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية، وأخيرا كان هناك عامل ارتفاع عائدات النفط نتيجة للزيادة الكبيرة التي شهدتها هذه الثروة الطبيعية خاصة في منطقة الخليج العربي.
وبحسب معظم التحليلات الاقتصادية فقد أدى توافر هذه الفوائض وتحركها للبحث عن فرص استثمارية في الاقتصادات المتقدمة التي كانت بحاجة لهذه الأموال إلى حدوث بعض الآثار السالبة في هذه الاقتصادات بشكل عام وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، حيث أدى توافر الأصول المالية السائلة في هذه الاقتصادات إلى تساهل في شروط الإقراض والتمويل وهو ما أعتبر لاحقا كأحد الأسباب إن لم يكن السبب الرئيسي لحالات الفقاعات المالية مثل فقاعة الرهون العقارية، وكذلك فقاعة الديون.
واشار الى أن الأسباب الرئيسية للأزمة الاقتصادية ستظل محل جدل ونقاش في الأوساط الاقتصادية والنخب المالية والسياسية لفترة طويلة ولكنها في تقديري المتواضع لا يمكن أن تفهم بشكل صحيح بدون الرجوع إلى مرحلة ما قبل الأزمة التي اشرنا أنها بدأت في نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي في شكل اختلال هيكلي أو عدم توازن في حركة التدفقات الرأسمالية.
ولكن كما هو معلوم فإن معظم الاقتصاديين والمحللين يتفقون على الأسباب الآتية:
- غياب الوعي وانتشار الأمية المصرفية في أوساط المستثمرين خاصة فيما يتعلق بالمنتجات المالية المعقدة أو المتقدمة.
- الإكثار من استخدام المنتجات القائمة على الديون (مثل صناديق الحماية، والكثير من المنتجات الشبيهة بما في ذلك منتجات المشتقات)، وقد ادى ظهور هذه الادوات الى حدوث حركة كثيفة من عمليات تسنيد الأصول غير السائلة وانتشار المشتقات في الأسواق المتقدمة (عقود المستقبليات، والخيارات، وتبادل الديون المتعثرة وغيرها).
- تزايد رغبة المستثمرين في قبول المنتجات ذات المخاطر العالية في مقابل الحصول على عائدات كبيرة.
وٍمن الناحية الاقتصادية تزايد مؤشرات العطالة، وارتفاع التضخم، والفقر.
- الطمع الذي أدى لتزايد الرغبات في الحصول على الربح السريع
وقال انه من المعلوم أن الممارسة المصرفية قد تغيرت الى حد كبير مقارنة عما كان عليه الوضع في بداية السبعينات وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي .
وحدث تطور كبير في الوسائل والادوات وطرق هيكلة المنتجات والخدمات المالية وطرق طرحها، ولعل أكثر منتج مالي يمكن أن يعبر عن هذا التطور ودرجة التعقيد هو ما يعرف اليوم بالمشتقات والتي هي عبارة عن قنابل زمنية موقوتة سواء بالنسبة للذين يتعاملون فيها أو للنظام الاقتصادي بشكل عام .
إن المشتقات كما يشير اسمها عبارة عن أدوات استثمارية مشتقة من منتج استثماري اخر، وفي هذه الحالة فإن المستثمرين بإمكانهم شراء منتج استثماري مثلا عقد مستقبليات وذلك بدلا عن شراء أسهم وبموجب هذا العقد فإن بإمكان المستثمر أن يقوم بشراء او بيع سهم محدد في المستقبل وفقا لسعر محدد سلفا.
ويتحقق الربح بالنسبة للمصدرين من التغير في سعر الفائدة، ومؤشرات أسواق الأسهم في كافة انحاء العالم، التغيرات في أسعار صرف العملات، التغير في العرض والطلب على السلع مثل السلع الزراعية، النفط، والغاز الطبيعي.
وتشير آخر الاحصائيات أن سوق المشتقات انها تبلغ في امريكا وحدها ما يعادل 300 تريليون دولار امريكي ، أي ما يعادل 20 مرة من حجم الاقتصاد الامريكي، أما على المستوى الدولى فهي تتجاوز على حسب احصائيات بنك التسويات الدولي مبلغ 600 تريليون دولار أمريكي.
ويجب هنا ان نشير الى ان الازمة الاخيرة قد اثرت بشكل مباشر على الاقتصادات المتقدمة اكثر منها على الاقتصادات الناشئة ومنها منطقتنا العربية والاسلامية على حد سواء.
فعلى المستوى الدولى فإن من ابرز مظاهر هذا التأثير تتمثل في التالي:
- أعلنت العديد من البنوك العملاقة افلاسها بدءا من بنك ليمان بروزرز ومازالت القائمة مستمرة حتى بلغت مؤخرا اكثر من 150 مؤسسة مالية.
- تأثرت اسواق رأس المال نتيجة لهبوط قيمة الاسهم المتداولة فيها وزيادة معدلات تسييل المحافظ الاستثمارية.
اما على مستوى العربي فقد كان التأثير محدودا للغاية وفي الغالب الاعم بسبب تأثر الاقتصادات العربية بالتباطؤ الاقتصادي على المستوى العالمي.
وعلى الرغم من الازمة المالية فإن البنوك العربية استمرت في تحقيق معدلات نمو جيد جدا حيث ارتفع حجم الاصول الموحدة للبنوك العربية بنهاية العام 2009 الى اكثر من 2,2 تريليون دولار امريكي.
كما ارتفعت اصول المؤسسات المالية الاسلامية من 250 مليار دولار في 2005 الى اكثر من 760 مليار دولار امريكي بمعدل نمو سنوى يبلغ 30% ، وهو مؤشر ممتازة للغاية يؤكد ما ظللنا ننادي به ان المستقبل هو في الرجوع الى مباديء الصيرفة الاسلامية.
لاشك ان هناك بعض التأثيرات المحدودة تتمثل في لجوء بعض البنوك العربية الى اتخاذ بعض الاجراءات التحوطية الرامية في معظمها للمحافظة على السيولة وهو ما اثر بشكل مباشر على توفير التمويل اللازم لتحريك النشاط الاقتصادي وهذا امر تأثرت به بعض القطاعات الاقتصادية التي كانت تعتمد على البنوك في الحصول على التمويل.
ففي ظل استمرار الازمة فإن على البنوك العربية والاسلامية الاستمرار في تطبيق سياسات حذرة فيما يتعلق بإدارة السيولة وضبط وترشيد النفقات كما أن الحكومات هى الاخرى مطالبة بتقديم مبادرات وبرامج تهدف الى تقوية وتعزيز النظام المالي بحيث يتمكن من لعب دور فاعل في تحريك عجلة النشاط الاقتصادي على المدى القصير، والتي يجب ان يصاحبها برامج مماثلة لإدارة المخاطر المنتظمة.
دبي- محمد هيبة
