التفاصيل الكاملة لكارثة قد تكون الأسوأ بيئياً في خليج المكسيك

بقعة النفط تهز عرش «بي بي» وتهدد واشنطن

باتت بقعة النفط التي تسربت من بئر نفط تابع لشركة «بريتيش بتروليوم» في خليج المكسيك مشكلة كبرى تعزز عرش الشركة البريطانية وتؤرق واشنطن.

وفي شهر سبتمبر من العام الماضي، اكتشفت شركة «بريتيش بتروليوم» أو «بي بي» حقلا نفطيا جديدا أطلقت عليه اسم «تايبر»، قدرت مخزونه بثلاثة مليارات برميل على الأقل من النفط الخام، أو ما معدله ستة أشهر من استهلاك الولايات المتحدة.

ويقع الحقل الذي تم كشفه بواسطة المسح الزلزالي، والبيانات التي تمت تغذيتها بجهاز كمبيوتر عملاق، على بعد ستة أميال في قاع خليج المكسيك، تحت مياه يبلغ عمقها قرابة الميل.

وقالت مجلة «بلومبيرغ بزنس ويك» إن الشركة البريطانية، ومعها شركة تعهدات الحفريات ترانس أوشن، حفرتا أعمق بئر معروفة حتى الآن.

منصة حفر عملاقة

أما منصة الحفر التي أنجزت تلك المهمة الشاقة، وتدعى «ديب ووتر هورايزون»، ويبلغ ثمنها 365 مليون دولار، فكانت أشبه بورشة معدات عائمة بحجم ملعبي كرة قدم، تحمل على ظهرها طاقما مؤلفا من 130 فردا، فيما بلغت كلفة استئجارها من ترانس أوشن ما يزيد على نصف مليون دولار يوميا.

غير أن المنصة ذاتية الحركة لم تنتظر ضخ النفط من حقل تايبر، إذ انتقلت إلى موقع استكشافي جديد، بحثا عن كنز آخر مفقود تحت قاع المحيط، ونقله سالما إلى منصة الحفر.

التسرب النفطي

وما إن تسرب النفط من آخر بئر حفرته ، ويدعى ماكوندو، وهو أكثر ضحالة من تايبر، حتى خرج عن حدود السيطرة ، ويعتقد أنه لفظ ما يقارب من ثلاثة ملايين جالون من النفط الخام وفقا لآخر تقديرات. فيما غطت بقعة الزيت المتسربة منطقة توازي في حجمها مدينة «ديلوير»، بمادة لزجة من اللون البرتقالي الداكن. مما أدى إلى انفجار المنصة وغرقها في قاع المحيط .

واليوم يجثم حطام «ديب ووتر هورايزون» ، وقد انقلبت رأسا على عقب في قاع الخليج، على عمق ميل تحت سطح الماء في مكان يدعى «ميسيسيبي كانيون بلوك 252». حيث اعتبر أحد عشر فردا من طاقمها في عداد المفقودين، وباتوا في حكم الموتى.

كارثة بيئية

أما الطامة الكبرى فتكمن في وصول بقعة الزيت إلى الشاطئ، وهو ما أكد العلماء حتمية وقوعه. وإن قدر لذلك أن يحدث، فإنه سيحدث دمارا يوازي في ضرره، ما نجم عن تحطم منصة الحفر إكسون فالديز في برينس ويليام ساوند في ألاسكا في عام 1989، حيث أدى ذلك حينذاك إلى إتلاف مناطق تكاثر أعداد لا تحصى من الأجناس في المناطق الساحلية العازلة الهشة، التي توفر الحماية لها من الأعاصير.

وقد هددت بقعة الزيت هذه فعليا أكثر مناطق تربية الروبيان والصيد إنتاجا وربحا في العالم، التي تشكل جزءا من صناعة الخليج التي توفر ربع الأطعمة البحرية للولايات المتحدة.

وإذا ما منيت جهود إغلاق البئر بالفشل، فإنها ستطلق كما هائلا من النفط المتسرب. ووفقا لسيناريوهات أخرى فإن تيارات خليج المكسيك الدائرية يمكن أن تدفع النفط المتسرب باتجاه فلوريدا وربما إلى الخليج الشرقي. وقد تصبح الكوارث البيئية غير المنظورة الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة.

انفجار «ديب ووتر»

وانفجرت منصة الحفر ديب ووتر هورايزون في 20 إبريل في وقت كانت فيه سياسة الطاقة الأميركية تتأرجح فيه لصالح التنقيب تحت الماء. فبعد عامين من السجال الحزبي المحتدم الذي أشعلت فتيله أسعار البنزين التي وصلت إلى 4 دولارات للجالون في عام 2008، أسقط الرئيس أوباما وغيره من الزعماء الديمقراطيين معارضتهم للتوسع في عملية التنقيب البحري.

وفي 31 مارس اقترح أوباما فتح مساحات شاسعة من الساحل الشرقي، والخليج الغربي ومياه ألاسكا بدءا من عام 2012، كجزء من صفقة كبرى أمل مسؤولو الإدارة في أن تفسح المجال لإطلاق جملة تشريعات بيئية وأخرى للطاقة شاملة، تقود البلاد إلى مرحلة ما بعد البترول، كما أوضح شعار «بي بي» في السابق. لكن ذلك كله بات الآن سرابا.

وكان خليج المكسيك بالنسبة لصناعة النفط أحد البقع المضيئة في الصورة القاتمة للإنتاج العالمي المتراجع. فبعد سنوات من تدنيه، بدأ حجم النفط المستخرج من خليج المكسيك في الارتفاع في ضوء تهافت منصات الحفر على المياه العميقة.

وكانت وزارة الطاقة الأميركية توقعت في هذا العام ، ازدياد إنتاج النفط البحري المستخرج في الولايات 48 المتجاورة، بنسبة 80% بحلول عام 2035، ليشكل قرابة 38% من الإنتاج الأميركي بزيادة عن 30% حاليا.

أعماق ومشكلات

وعلى عمق ميل تحت الماء، يتحول الأمر إلى جحيم، فكانت عملية منع اندفاع السوائل شديدة السخونة والضغط، إلى الأعلى كانفجار بركاني قبل استكمال حفر البئر، تستدعي من الحفارين إغلاق الفتحة تماما بمادة طينية اصطناعية ثقيلة. ولاستكمال عملية تجهيز البئر، فإنهم يحقنون نوعا من الاسمنت عالي التقنية. ولكل بئر تركيبته الخاصة من الطين والاسمنت.

وكان المفروض في هذه الحالة أن يرشح الاسمنت إلى داخل أنبوب الحفر، المكون من اسطوانة عرضها سبع بوصات، محاطة بأنبوب أضخم يدعى الغلاف الواقي. ولدى وصول الاسمنت إلى القعر، فإنه يرشح إلى الفجوة الواقعة بين الأنبوب وغلافه الواقي قبل جفافه في موقعه مكونا صمام إغلاق محكما لا يمكن خرقه.

ووقعت حادثة «ديب ووتر هورايزون» في المرحلة الأخيرة من العمل، في وقت كان الطاقم فيه يحضر لوضع صمام الإغلاق المؤقت على البئر، والانتقال إلى موقع آخر.

وقد لا تعرف الظروف الدقيقة المحيطة بما حدث قبل شهور عدة، رغم انه كان من الواضح أن الغاز الطبيعي المضغوط سوف يندفع إلى الأعلى، مما يعني أن صمامات الإغلاق لم تكن محكمة الإغلاق. وهذا ما يحدث تماما، عند فتح علبة مشروب غازي، حيث تنتفخ فقاعات ثاني أكسيد الكربون وترتفع إلى الأعلى، خلاف أن الغاز الطبيعي قابل للانفجار.

إجراءات خاصة

وكثيرا ما تتكرر مثل هذه الحوادث. ففي عام 2007، وجدت دراسة «إم إم إس» أن عملية حقن الاسمنت كانت عاملا مسببا في 18 من أصل 39 انفجارا وقعت في خليج المكسيك على مدى 14 عاما. فالضغط المنبعث من الغاز مرشح للانفجار في كل لحظة.

وهنا لا بد من اتخاذ إجراءات وقائية خاصة بعملية الحقن تلك، غير أنها تتطلب كثيرا من الوقت والمال. إذ أن كلفة استئجار منصة الحفر لكل يوم إضافي تناهز نصف مليون دولار. وفي هذه المرة كانت «هاليبيرتون» هي المسؤولة عن عملية حقن الاسمنت ولكن تحت إشراف «بريتيش بتروليوم».

خط الدفاع الأخير

بعد استنفاد كل السبل، لا مناص من استخدام موانع الانفجار، المعدة لإغلاق الصمامات في البئر البحرية، عند ارتفاع الضغط إلى مستويات عالية. وفي حال فشل الصمامات العادية في عملها، تقوم خاصية تتمتع بها الموانع، متمثلة في سلسلة قواطع مشعبة، تتكون من زوجين من المقصات الهيدروليكية، بإغلاق الفوهة بقصها للأنابيب كافة.

لقد فشل مانع الانفجار الذي صنعته «كاميرون انترناشيونال» ومقرها هيوستون، في منع تدفق النفط والغاز. إذ اندفع الغاز عبر الأنبوب إلى المنصة، وما لبث أن استقر باعتباره أثقل من الهواء،على مستوى منخفض.

وقال بعض الناجين أنهم سمعوا ارتطاما تلاه هسهسة. وأخذت المنصة تهتز من تحتهم، وبدأت الانفجارت تتوالى في الساعة العاشرة من مساء 20 أبريل، مطلقة ألسنة اللهب إلى مسافة مئات الأقدام في الفضاء.وقد أبلغ الكابتن مايكل روبرتس قائد إحدى سفن الإمداد محطة سي ان ان، أنه تراءى له أن السماء انطبقت على الأرض.

ومع انتشار رقعة التسرب النفطي، جمعت بي بي تسع طائرات على الأقل، ومئات السفن لإجراء عملية التطهير. وتقع قاعدتها اللوجستية الخاصة بخليج المكسيك في مدينة هوما التي تحولت إلى مركز للقيادة، حيث يختلط فيها عناصر خفر السواحل بملابسهم الرسمية، مع أخصائيي بي بي، وشركات أخرى مثل إكسون موبيل.

وتقول جاكلين مايكل، رئيس ريسيرتش بلاننغ، وهي شركة استشارات خاصة بالتسرب النفطي في كولومبيا، أن الجميع لا يألون جهدا. والخشية الكبرى في ظل استمرار عملية التسرب، أن التدريب على عملية التنظيف قد يكون عبثيا، وربما ضارا بأكثر المناطق هشاشة، لأنها قد تعاد مرات ومرات.

دعاوى قضائية

بدأت شركة «ترانس أوشن» التي استأجرتها بي بي لتشغيل منصة ديب ووتر هورايزون، مناورات قانونية لحصر مسؤوليتها إلى أقل من 27 مليون دولار.

وتواجه الشركة المسجلة في السويد إلى جانب «بي بي»، مطالبات بتعويض أضرار تناهز مليارات الدولارات، بما فيها ذوي الضحايا الذين قتلوا في الانفجار.

وقال توني هيوارد في مقابلة مع صحيفة تايمز البريطانية إنه يواجه صعوبة في النوم، وأنه تلقى رسائل كراهية. وأنه يرفض مشاهدة التلفزيون أو قراءة تقارير الصحف عن الحادث.

محاولات «بي بي»

منيت المحاولات السابقة لمنع التسرب من البئر الواقعة في عمق المحيط على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، رغم توقعات متفائلة من جانب الشركة.

وكانت «بي بي» أعلنت أن كلفة الاستجابة للكارثة بلغت حتى الآن زهاء 450 مليون دولار بزيادة 100 مليون عما نشر سابقا.

وقالت «بي بي» ان محاولتها الثانية تتضمن وضع غطاء مطور على فتحة البئر، تشمل إنزال جهاز وزنه أكثر من طنين يشبه القبعة العلوية في قاع المحيط.

دبي ـ وائل الخطيب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات