قال الشيخ: كان آخر ما ذكرناه عن أثر المعاصي أن صاحبها يهون على الله، قال الإمام احمد حدثنا الوليد بن مسلم عن جبير عن أبيه قال لما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل اذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا الى ما ترى.

وللمعصية شؤم ينال صاحبها وقد يصيب من حوله قال أبو هريرة: إن الحبارى تلعن عصاة بني آدم اذا اشتدت السنة وأمسك المطر وتقول هذا بشؤم معصية بني ادم، وقال عكرمة :حتى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني ادم فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يلعنه من لا ذنب له. وللمعاصي ذل يصيب الله به أصحابها ولو بعد حين، قال الحسن البصري: انهم وان طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ان ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله الا أن يذل من عصاه.

ومن لطيف ما يذكره ابن القيم رحمه الله: ان المعاصي تفسد العقول وتطفئ نورها قال بعض السلف: ما عصى الله أحدا حتى يغيب عقله، فانه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى، أو تحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره وعلى بساطه وملائكته شهود عليه وواعظ القرآن ينهاه والذي يفوته من خير الدنيا والآخرة بالمعصية أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على ذلك ذو عقل سليم؟!

والمعاصي إن تكاثرت طبعت على قلب صاحبها قال الحق سبحانه وتعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)، والران هو صدأ يصيب القلب من المعاصي حتى اذا تكاثر صار ختما و قفلا فأنى له أن تصل له أنوار الهداية؟!

ومن المعاصي ما يستحق أعصابه لعن النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام وأنى لمثل هذا أن يفلح في دنيا أن يفوز في أخراه، كآكل الربا وموكله، وشارب الخمرة وساقيها، والمخنثين من الرجال والمسترجلات من النساء، ومن ضار مسلما او مكر به، ومن أفسد امرأة على زوجها، ومن سب الصحابة وغيرهم كثير.

فكيف الطمع بشفاعة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام ونحن نقترف ما نستحق لعنه وأعمالنا تعرض عليه صلى الله عليه وسلم وهو في عالم البرزخ، ومن منا يستغني عن شفاعته عليه الصلاة والسلام يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم.

فالمعاصي إذن لا تستقيم مع قلب سليم ولا مع عقل صحيح، وقد سئل أحد العلماء كيف ندع غير المسلمين إلى الإسلام؟ قال: اقرأوا عليهم كتاب الكبائر للذهبي، والقصد أن العقل السليم المتجرد عن الأهواء لو تعرف على منهيات الإسلام لكفاه ذلك دليلا على عظمة هذا الدين.

وهنا نذكر قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، قال ابن القيم: والمراد بالفساد النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، ويقول : إنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا ولو أذاقنا على كل أعمالنا لما ترك عليها من دابة.

وسر أننا نحسن الظن بأنفسنا ولا نقدر معاصينا حق قدرها أننا لا نعي حقيقة من نحن بين يدي الحق سبحانه وتعالى، فإن أتينا بقليل عمل صالح ظننا انه من أنفسنا وأننا نستحق الثواب الجزيل، وان أتينا بقبيح عمل استصغرناه وقلنا لنا من الحسنات ما يكفره والله غفور رحيم، والجواب على لسان العارفين حيث روى الأوزاعي عن بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت.

وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.

وقيل أوحي إلى موسى عليه السلام: يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس وذلك أنه عصاني، وإنما أعد من عصاني من الأموات.

ماهر سقا أميني