التاريخ الإسلامي مليء بقصص كثيرين ممن لم تمنعهم إعاقتهم البدنية من أن يبرزوا، ويبدعوا في مجالات العلوم والآداب والفنون، مثل الأحنف بن قيس، ومبشر بن المعتمد، وأبو حامد المرزوي، وعبدالرحمن بن عوف، وأبوالعلاء المعري، وموسى بن نصير، والمغيرة بن شعبة، ومحمد بن سيرين وغيرهم من الأدباء والعلماء والقادة والشعراء.

وفي هذا التحقيق نتعرف الإجابة على كيف ينظر الإسلام للمعاقين؟ وما أهم الحقوق التي كفلها لهم؟.

د. محمود يوسف كريت رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالقاهرة، قال: «إن المتأمل في القرآن الكريم يجد مثلاً إيجابيًا للاهتمام والرعاية بالمعاقين، وهذا ما يتجلَّى تحديدًا في عتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قصة «عبدالله بن أم مكتوم»، الذي كان أعمى، حيث حضر إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام؛ ليجلس معه كما تعوَّد، فأعرض عنه الرسول؛ لعدم فراغه، وانشغاله بدعوة كفار مكة وسادتها، ومحاولة جذبهم إلى توحيد الله، فأدار وجهه عنه، والتفت إليهم، وبالطبع لم ير ابن أم مكتوم ما فعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه أعمى، فجاء عتاب الله لنبيه «عبس وتولى، أن جاءه الأعمى»؛ حيث أوضح الله أن المؤمن الكفيف أطيب عند الله من هؤلاء الكافرين، فكان النبي كلما رآه رحب به، وقال: (أهل بمن عاتبني فيه ربي)».

ويطالب كريت ضرورة إدماج المعاق في المجتمع باعتبار ذلك حقًا أصيلاً من حقوقه التي كفلها الإسلام، وهذا ما فعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي جعل ابن أم مكتوم مسؤولاً عن المدينة عندما خرج لإحدى غزواته، وكان ذلك درسًا عمليًا لتعامل الأمة مع ذوي العاهات.

الوظيفة الاجتماعية

يوضح د. عبدالغفار هلال، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر سابقًا، أن فقدان عضو من الأعضاء الجسدية ليس معناه بالضرورة فقدان الوظيفة الاجتماعية بأكملها، وبالتالي فإن إدماج المعاقين في المجتمع أمر حثنا عليه الإسلام الذي كفل لهم عددًا من الحقوق، يأتي على رأسها عدم السخرية من المعاقين، لقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم».

كما يشير إلى أن التاريخ الإسلامي مليء بكثير من المعالم الدالة على رعاية أصحاب الاحتياجات الخاصة، وذلك على عكس ما كان يحدث في كثير من المجتمعات الأخرى في الوقت نفسه، مثل الدولة الرومانية التي عمدت إلى التخلص من المعاقين، كما أن «أرسطو» كان يرى أن أصحاب الإعاقة السمعية لا يمكن تعليمهم، وكذلك «أفلاطون» الذي كان يرى ضرورة إخراج المعاقين من مدينته الفاضلة؛ لأنهم لا يؤدون المطلوب منهم لنجاح هذه المدينة.

مقابل ذلك يشير هلال إلى قوله صلى الله عليه وسلم «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم».. موضحًا أن الضعفاء، ومنهم المعاقون جعلهم الله سببًا للنصرة والرزق، وبالتالي لا يجوز أن نضطرهم إلى إظهار موضع إعاقتهم رغبةً في استجداء العطف الإنساني، وبالتالي الحصول على ما يكفل لهم أدنى حدٍ من الحياة الكريمة.

أروع الأمثلة

د. أحمد الشحات، أستاذ التفسير، يؤكد أن كثيرًا من المعاقين يمتلكون من المميزات والمواهب ما يفوقون فيها غيرهم من الأسوياء، ومع ذلك فإن المجتمع لا يزال حتى الآن غير قادر على استيعابهم، ودمجهم لأسباب تتعلق بالنظرة المتدنية لهم، وعدم الثقة في قدراتهم.

يوضح أن الحضارة الإسلامية ضربت أروع الأمثلة في كيفية دمج المعاق داخل المجتمع، باعتباره عنصرًا أساسيًا في المجتمع المسلم، ويكفي أن الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» قام بإحصاء عدد المعاقين في أقطار الدولة الإسلامية؛ لمعرفة كيفية الإفادة منهم، ورعايتهم، وبالتالي إدماجهم داخل المجتمع، كما أن الإمام «أبوحنيفة» وضع تشريعًا يقضي بأن بيت مال المسلمين مسؤول عن النفقة على المعاقين.

الميزان الحقيقي

كذلك يرى الشيخ فرحات المنجي، من علماء الأزهر الشريف، أن التقوى هي الميزان الحقيقي للإنسان عند ربه، وليست الصحة أو غيرها، وهذا ما أكده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله «يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، خيركم عند الله أتقاكم»، وقوله أيضًا «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

وبالتالي فإن إدماج المعاق في المجتمع، وعدم الاستهانة بإعاقته أمرنا بهما الإسلام، فالمجتمع الذي يزدري المعاقين يكون مصدر شقاءٍ وألمٍ لهم، ربما يفوق ألم الإعاقة نفسها، كما أن هؤلاء الأصحاء الذين ينعمون بالصحة، وينظرون للمعاقين نظرة سخرية، عليهم أن يدركوا أن هذه النعمة من الله لقوله تعالى: «وما بكم من نعمة فمن الله»، وعليهم أن يدركوا جيدًا أن الله قادر على سلبها منهم لقوله عز وجل: «اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير».

ويشير إلى أن كثيرًا من علماء المسلمين اهتموا بالمعاقين، ودرسوا أسباب إعاقتهم مثل «ابن سينا» الذي تناول أسباب حدوث الصمم، وكذلك «الرازي» الذي شرح درجات فقدان السمع، بل إن هناك كثيرًا من العلماء ممن أُصيبوا بإعاقات مختلفة، ومع ذلك لم تمنعهم إعاقتهم من بلوغ أعلى درجات العلم والنبوغ، مثل الفقيه «محمد بن سيرين» الذي كان يُعاني من صعوبة في السمع، ومع ذلك كان راويًا للحديث، ومعبرًا للرؤى.

قضاء الله

أخيرًا، يشير د. معاذ عبدالله، أستاذ الحديث، إلى قوله تعالى: «مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ»، وهذا توجيه من الله لكل صاحب إعاقة ألا يحزن لما أصابه، فكل ما يتعرَّض له الإنسان في حياته إنما هو بقضاء الله وقدره، وهذا من شأنه إضفاء نوع من السكينة والطمأنينة على المعاق الذي يصبر على ما ابتُلي به، وفي ذلك يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». ويطالب معاذ بتوفير كل السبل، والإمكانات التي تسمح بإبداع ذوي الاحتياجات الخاصة في مختلف المجالات، سواء الفكرية أم الأدبية أم أي مجال آخر، خاصة أن هؤلاء المعاقين قد تدفعهم إعاقتهم إلى مزيد من الإبداع والنبوغ بشكل يفوقون فيه الأصحاء.