عندما انضمنت بريطانيا الى ما كان يعرف بالمجموعة الاقتصادية الاوروبية أبلغ رئيس الوزراء حينها ادوارد هيث دبلوماسيين من أستراليا وكندا ونيوزيلندا خلال مأدبة عشاء أن أوروبا ستتحول الى قوة عظمى وتدفع الولايات المتحدة الى الظل.

وكان المبعوث الكندي شجاعا بما يكفي ليتحدى هيث، لكن عندما انصرف الضيوف قال رئيس الوزراء المحافظ لأحد مساعديه الكندي العجوز المسكين.. لم يفهم ما قلته.. صحيح.. وبعد نحو أربعة عقود تبدو كلمات هيث ساذجة على أفضل تقدير.

فقد تعرضت وحدة الاتحاد الاوروبي لاختبار صعب بسبب أزمة ديون اليونان وهشاشة الاوضاع الاقتصادية لأعضاء آخرين.

واستغرق الأمر من الاتحاد عدة أسابيع للاتفاق على حزمة مساعدة بمليارات اليورو لأثينا ولم يتمكن بعد من تهدئة مخاوف الاسواق المالية. أما قدرته على الحيلولة دون انتشار العدوى لدول أخرى والحفاظ على تماسك منطقة اليورو فمحل شك.

ويسعى الاتحاد ـ الذي انبثق عن المجموعة الاقتصادية الاوروبية ويضم 27 دولة ويعيش وضعا أبعد ما يكون عن قوة عظمى ـ جاهدا لتجنب تراجع المركز الذي يحتله في التصنيفات العالمية.

وكان هيث سيجفل لو استمع الى اجابة وزير الدولة الاسباني للشؤون الاوروبية دييغو لوبيث غاريدو عند سؤاله الشهر الماضي عن اخفاق الاتحاد في اتخاذ قرارات بصورة أسرع.

فأجاب الاتحاد الاوروبي ليس الولايات المتحدة. نحن 27 دولة ولسنا دولة واحدة.وكان دافع هيث وراء الانضمام للمجموعة الاقتصادية يكمن في أن السبيل الوحيد كي تتمتع أوروبا بالنفوذ في عالم تسيطر عليه القوى العظمى هو أن تتوحد سياسيا.

ووضع مؤسسو الاتحاد الاوروبي نصب أعينهم تحقيق وحدة سياسية واقتصادية ونقدية أوثق لكن الاتحاد فشل في التحدث بلسان واحد وهي نقيصة برهنت عليها الازمات الاخيرة.

كبش الفداء

وباتت المانيا على نحو متزايد كبش الفداء لممانعتها تقديم قروض طارئة لليونان، اذ ان ناخبيها يعارضون انقاذ دولة يعتبرونها مبذرة وأقل بذلا للجهد. ولطخت صورتها كقوة من أجل التضامن الاوروبي.

بيد أن القادة الاوروبيين اليوم لا يقيدهم نفس الالتزام العاطفي بتحقيق الوحدة السياسية كما كان حال أسلافهم مثل المستشار الالماني السابق هيلموت كول والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران.

فلقد عايش الاثنان الحرب العالمية الثانية عندما كان بلداهما عدوين واتحدا رغبة منهما في تحاشي حرب أخرى.

قضية الاتحاد

وقال سير ستيفن وول المستشار السابق لشؤون السياسة الخارجية البريطانية خلال زيارة الشهر الماضي الى بروكسل أتذكر حينما قال كول لرئيسي السابق (رئيس الوزراء البريطاني السابق) جون ميجر انه وميتران يمثلان آخر جيل من الزعماء الذين يؤمنون حقيقة بقضية الاتحاد الاوروبي. وأضاف انه سيأتي جيل آخر بعدنا سيتفهم الامر، وبعد ذلك سيضيع الزخم الى الابد ما لم نتخذ خطوات حقيقية الآن.

وتبددت المخاوف من موسكو التي وحدت أوروبا الغربية ابان الحرب العالمية الثانية مع انهيار الاتحاد السوفييتي بالرغم من تجدد بعض بواعث القلق. وبعد اعادة التوحيد بزغت المانيا كأقوى دولة في أوروبا. وصعّب منح العضوية لبلدان من شرق ووسط أوروبا من اتخاذ القرارات ووسع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة نسبيا.

الأزمة الاقتصادية

وأجبرت الازمة الاقتصادية العالمية القادة على منح المزيد من الاهتمام للمشكلات المحلية لتأتي المصالح الاوروبية في المرتبة الثانية بالنسبة للناخبين.

وحتى نجاح اليورو أضحى محل شك عندما أقرت اليونان بأن العجز في ميزانيتها أكبر بنحو المثلين عما أعلن فيما سبق وفقدت الاسواق الثقة في قدرتها على تجنب التعثر.

وعلى مستوى استراتيجي أكبر توجه انتقادات للاتحاد بالافتقار لزعماء أصحاب رؤية ولفكرة كبيرة أو مشروع تحتشد خلفه جميع البلدان.وكان ينبغي أن يأتي هذا من خطة المفوضية الاوروبية لأوروبا 2020 لتحفيز النمو وتوفير الوظائف لكن الخطة لم تثر الكثير من الحماسة.ويعتبر منتقدون تلك الخطة اعادة صياغة لمبادرة فاشلة لتحويل أوروبا الى أكبر اقتصاد تنافسي وديناميكي يقوم على المعرفة بحلول ذلك العام.

غياب رؤية مشتركة

لكن في قلب الاتحاد هناك شيئ فاسد. فلم يحدث توافق بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الالمانية انجيلا ميركل وغياب رؤية مشتركة يعني في أحسن الاحوال أن قاطرة الاتحاد أوروبي متعثرة.

وتشير التوقعات القاتمة الى أن الاتحاد في تراجع دائم وأن واحدة أو اثنتين من الدول الاعضاء الضعيفة ستخرج من منطقة اليورو التي تضم 16 بلدا وأن النمو الاقتصادي سيبقى بطيئا مع ارتفاع معدل البطالة لسنوات.

وبموجب هذا السيناريو سيزداد تهميش الاتحاد الاوروبي بشكل متزايد ولن تعتبره اقتصادات ناشئة مثل الصين والهند أكثر من كتلة تجارية أقل أهمية من الولايات المتحدة.

لكن ليست كل التوقعات قاتمة. فقد استغل الاتحاد الأزمات عادة لصالحه وأجبرته الحاجة على تنفيذ اصلاحات صارمة كان سيتجنبها لو اختلف الحال. وبموجب هذا السيناريو ستتوحد منطقة اليورو وستدفع الاصلاحات الدول الاعضاء الى اظهار المزيد من الانضباط المالي والالتزام بالأهداف التي حددها الاتحاد ضمن اتفاقية الاستقرار والنمو.

وستنهض الدول بإصلاحات في سوق العمل وتضع نهاية للتوازنات الاقتصادية فيما بين الدول الاعضاء وتصبح أكثر تنافسية.

ويستبعد الخبراء في شؤون الاتحاد السيناريو القاتم ويقولون انهم لم يفقدوا الامل بعد في اصلاح الاتحاد.

ويقول أولريك جويروت من مركز أبحاث المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية لا أمتلك بلورة سحرية. اننا عند منعطف.. لا يزال لدينا النفوذ والقدرات لو تحركنا بصورة جماعية وان كنت لا أتوقع الكثير من هذا التحرك.